تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
لخلوّ بالهم من المشاغل ، وطيب نفوسهم يسمر بعضهم مع بعض ويتحادثون فيما كانوا فيه في الدنيا مع أخلائهم من شتى الشؤون ، مع اختلاف الأهواء ، حتى ليقص بعضهم على بعض أن خليله كاد يوقعه في الهلاك لولا لطف ربه به ، وقد كان مآله أن صار في سواء الجحيم ، ثم ذكر نعمة ربه عليه بسبب ما كان يدين به في الدنيا .

الإيضاح

( فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ )
أي يطاف عليهم بكأس من معين ، فيشربون ويتحادثون على الشراب ، وما ألذ الحديث لدى الأخلاء إذ ذاك ؛ كما أفصح عن ذلك شاعرهم :
وما بقيت من اللذات إلا * محادثة الكرام على الشراب
ولثمك وجنتى قمر منير * يجول بوجهه ماء الشباب
والحديث ذو شجون ، فهم يتحادثون في شتى الفضائل والمعارف وفيما سلف لهم من شؤون الدنيا ، وما أحلى تذكر ما فات حين رفاهية الحال ، وفراغ البال ، واطمئنان النفس ، وخلوّها من المخاوف العاجلة والآجلة . ثم فصل هذا التساؤل وبيّنه فقال :
( قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ . يَقُولُ أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ؟ أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَدِينُونَ ؟ )
أي قال قائل من أهل الجنة : إني كان لي قرين في الدنيا يوبخني على التصديق بالبعث والقيامة ، ويستنكره أشد الاستنكار ، ويقول متعجبا : أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمحاسبون بعد ذلك على أعمالنا وما قدمته أيدينا ؟ ألا إن ذلك لا يدخل في باب الإمكان ولا يقبله عاقل ، فأجدر بمن يصدق بمثل هذا أن يعدّ من البله والمجانين الذين لا ينبغي مخاطبتهم ولا الدخول معهم في باب الجدل والخصام ، فهم ساقطون من درجة الاعتبار لدى العقلاء والمنصفين .
تفسير المراغي — صفحة 59 | أحمد مصطفى المراغي