تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
لأنه قد ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ، فما ذا تفيد العبر أو تجدى الذكرى مع قوم هذه حالهم ؟ . ثم بالغ في ذمهم وشديد غفلتهم عن النظر في دلائل الحق فقال :
( وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ )
أي وإذا أقيمت لهم الأدلة والمعجزات التي ترشد إلى صدق من يعظهم ويذكّرهم بأيام اللّه ، نادى بعضهم بعضا متضاحكين مستهزءين : هلمّوا وانظروا إلى ما يفعله ذلك الساحر الذي يخلب ألبابنا ، ويسلب عقولنا ، ويريد أن يصدنا عما كان يعبد آباؤنا ، وهذا ما أشار إليه حاكيا قولهم :
( وَقالُوا : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ )
أي وقالوا ما هذا الذي يأتينا به الفينة بعد الفينة مما يدّعى أنه أدلة ظاهرة على صدق ما يدعيه - إلا ألاعيب ساحر ، وخدعة أريب ماهر ، يريد أن يلفتنا عما كان يعبد آباؤنا ، وما هي من دلائل الحق في شئ ، فإياكم أن تخدعوا بها ، وترجعوا عن الدين الحق الذي عليه آباؤكم ، وقد مرت عليه القرون ، ونحن له متبعون . ثم خصصوا بعض ما ينكرون مما يدعيه من الحشر والبعث فقالوا :
( أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ؟ )
أي إنا لو تقبلنا منه بعض ما يقول وإن كان فيه ما يدهش العقول - لا نتقبل منه تلك المقالة ، وهي إحياء العظام النخرة ، والأجسام التي صارت ترابا ، إن هذه إلا إحدى الكبر ، فلا ينبغي أن نوجه النظر إلى مثل هذه الآراء التي لا يقبلها العقل ، ولا يصل إلى مثلها الفكر . ثم زادوا في استبعادهم وعظيم تعجبهم قالوا :
( أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ ؟ )
أي أيبعث آباؤنا الأولون أيضا ، وهذا أغرب لأن آباءهم أقدم منهم ، فبعثهم أشد غرابة وأكثر استبعادا . وبعد أن حكى عنهم هذه الشبهة أجاب عنها بقوله :
( قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ )
أي قل لهم أيها الرسول : نعم تبعثون يوم القيامة بعد ما تصيرون ترابا وعظاما ، وأنتم صاغرون أذلاء أمام القدرة البالغة .