تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦

الإيضاح

( فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا ؟ )
أي سل هؤلاء المنكرين للبعث : أىّ أصعب إيجادا ، أهم أم السماوات والأرض وما بينهما من الملائكة والمخلوقات العظيمة ؟ والسؤال للتوبيخ والتبكيت ، فإنهم يقرون أن هذه المخلوقات أشد منهم خلقا ، أي وإذا فكيف ينكرون البعث وهم يشاهدون ما هو أعظم مما أنكروا ، فأين هم بالنسبة لهذه العوالم التي خلقناها ؟ . ثم زاد الأمر بيانا وأوضح هذا التفاوت فقال :
( إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ )
أي إنا خلقنا أباهم آدم من طين رخو ملتصق بعضه ببعض ، وفي هذا شهادة عليهم بالضعف والرخاوة دون الصلابة والقوة ، فأين هم من كواكب السماء ، وعالم الملائكة ، وتلك العوالم المشرقة ؟ وإذا قدرنا أن نخلق تلك العوالم العظيمة فهل يعجزنا أن نعيد ما هو مخلوق من طين لا يصلح للحياة إلا بإشراق الأنوار عليه ، ووصول الآثار من العوالم الأخرى إليه . ثم خاطب الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بقوله :
( بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ )
أي لا تستفتهم فإنهم معاندون لا ينفع فيهم الاستفتاء ، ولا يتعجبون من تلك الدلائل ، بل مثلك من يعجب منها ، وهم يسخرون منك ومن تعجبك ومما تريهم من الآيات . والخلاصة - إن قلوبهم غلف فلا تنظر فيما حولها من البراهين والآيات الدالة على البعث ، ولا تقدر أن تنفذ إلى الإيقان به ، فحالهم عجب ، ويحق لك أن تكثر التعجب منها ، فلقد بلغ من عنادهم وإصرارهم على إنكارهم أن يسخروا من مقالك ، ومن اهتمامك بإقناعهم في وجوب تسليمهم بالبعث والاعتقاد بحصوله .
( وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ )
أي وهم لقسوة قلوبهم إذا وعظوا لا تنفعهم العظة ،