تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
ولا تنافى بين وصف الريح هنا بالرخاء ، ووصفها في آية أخرى بكونها عاصفة كما قال :
« وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً »
لأنها تكون بكلتا الحالين بحسب الحاجة إليها ، فهي تشتد حين الحلّ ، وتلين حين السير . ( 2 )
( وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ )
أي وذللنا لأمره البنائين من الشياطين والغوّاصين في البحار منهم ، يسخرهم فيما يريد من الأعمال ، فإذا أراد بناء العمائر والقصور أو الحصون والقناطر أنجزوها له في الزمن القصير ، وإذا أحب استخراج اللؤلؤ والمرجان من البحار لجعلهما حلية لمن في قصوره لبّوا طلبه سراعا . ( 3 )
( وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ )
أي وآخرين من الشياطين مردة مشاكسين لا يلبون دعوة الداعي ، ويخالفون ما أمروا به فيوضعون في السلاسل والأغلال ليتقى شرهم . وخلاصة ما سلف - إن سليمان قد استعمل الشياطين في الأعمال الشاقة كالبناء والغوص في الماء ، ومن لم يطع أمره وضعه في السلاسل والأغلال ، كفّا لشره ، وعقابا له ، وعبرة لغيره . وإنا لا نعلم حقيقة تلك القيود ولا كيف تكون العقوبة ، كما لا نعلم كيف يشتغل الشياطين وكيف يبنون أو يغوصون ؟ فكل ذلك في عالم لا ندرك شيئا من أحواله ، فعلينا أن نؤمن بأن سليمان لعظم ملكه لم يكتف بتسخير الإنس في أعماله بل سخّر معهم الجن فيما يصعب عليهم ، ونتقبل هذا كما قصه القرآن دون دخول في التفاصيل خوفا من الزلل الذي لا تؤمن مغبّته ، ولا نصل أخيرا إلى معرفة الحق فيه ، ولنكتف بذلك ، فالعبرة به ماثلة ولا نتزيّد فيه . ثم ذكر سبحانه أنه أباح له أن يتصرف في كل هذا الملك الواسع كما شاء دون رقيب ولا حسيب فقال :
( هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ )
أي وقلنا له : إن هذا الذي أعطيناكه