وحين علم داود غرضهما وتظاهرت عليه الأدلة همّ أن ينتقم منهما ويجازى السيئة بمثلها
« وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها »
ولكنه رأى أن مقام النبوة أمثل به الصفح والعفو كما قال :
« فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ »
ومن ثم استغفر ربه لما كان قد عزم عليه من الانتقام تأديبا لهما ولأمثالهما .
وما جاء في بعض كتب التفسير من أن المراد بالنعاج النساء كما جاء كناية عن ذلك
في كلام العرب كما قال * كنعاج الفلا تعسّفن رملا
فذلك يتوقف على أن كلمة
( نعجة ) في اللغة العبرية تستعمل كناية عن المرأة كما هي في العربية ، وتأباه كلمة
( الْخُلَطاءِ )
وكذلك ما يقال من أن الخصمين كانا ملكين فإن
( تَسَوَّرُوا )
تأباه لأن الملائكة أجسام نورانية لا أجسام كثيفة فلا حاجة إلى التسوّر ، إلى أنّ ما جاء من القصص عن ذكر السبب في مجىء الملكين مما يخلّ بمنصب النبوة ، وفيه نسبة الكبائر إلى الأنبياء ، فيجب علينا أن نطرحه ؛ إذ يبطل الوثوق بالشرائع - إلى ما فيه من مطعن لأرباب الأديان الأخرى على المسلمين ، إذ نسبوا إلى الأنبياء ما يجلّ مقامهم عنه ، ويأباه عامة الناس فضلا عن الأنبياء الذين اصطفاهم اللّه لرسالاته ، ومن ثم أثر عن علىّ رضى اللّه عنه أنه قال : من حدّثكم بحديث داود على ما يرويه القصّاص جلدته مائة وستين .
[ سورة ص ( 38 ) : آية 26 ]
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ ( 26 )
المعنى الجملي
بعد أن قص سبحانه علينا قصص داود والخصمين - أردف ذلك بيان أنه فوض إلى داود خلافة الأرض وأوصاه بالحكم بين الناس بالحق وعدم اتباع الهوى حتى لا يضل