تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
( قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ )
أي قل لهم : إني لا أريد منكم أجرا ولا عطاء على أداء رسالة ربى إليكم ، ونصحى لكم وأمرى بعبادته ، إنما أطلب ثواب ذلك من اللّه ، وهو العليم بجميع الأشياء ، فيعلم صدقي وخلوص نيّتى . وإذا علم أن الذي حمله على ركوب الصعاب واقتحام الأخطار ليس أمرا دنيويا ، ثبت أن الذي حفزه عليها هو أمر اللّه تعالى له وقد صدع به
« فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ »
وبهذا ثبت أنه نبىّ . ولما استبان أنه ليس بالمجنون ولا هو بطالب الدنيا - علم أن الذي جاء به هبط إليه من السماء وقذف به الوحي إليه ، وأمره أن يبلغه إليهم كما أشار إلى ذلك بقوله :
( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ )
القذف الرمي بدفع شديد : أي قل لمن أنكر التوحيد ورسالة الأنبياء والبعث : إن ربى يلقى الوحي وينزله على قلب من يجتبيه من عباده ، وهو العليم بمن يصطفيهم كما قال سبحانه :
« اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ »
وقال :
« يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ »
. وقد يكون المعنى كما روى عن ابن عباس : إن ربى يقذف الباطل بالحق ؛ أي يورده عليه حتى يبطله ويزيل آثاره ويشيع الحق في الآفاق . ولا يخفى ما في هذا من عدة بإظهار الإسلام ونشره بين الناس وتبلج نوره في الكون ، ونحوه
« بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ »
. ثم أكد ما سلف بأمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلم أن يخبر قومه بأن الإسلام سيعلو على سائر الأديان ، وأن غيره سيضمحل ويزول فقال :
( قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ )
أي قل جاء الإسلام ، ورفعت رايته ، وعلا ذكره ، وذهب الباطل ، فلم تبق منه بقية تبدى شيئا أو تعيده .