تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
( ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ )
إذا ما جاء به من ذلك الأمر العظيم الذي فيه سعادة البشر في دنياهم وآخرتهم لا يتصدى لادّعائه إلا أحد رجلين : إما مجنون لا يبالي بافتضاحه حين مطالبته بالبرهان وظهور عجزه ، وإما نبي مؤيد من عند اللّه بالمعجزات الدالة على صدقه . وإنكم قد علمتم أن محمدا أرجح الناس عقلا ، وأصدق الناس قولا ، وأزكاهم نفسا ، وأجمعهم للكمال النفسي والعقلي ؛ فوجب عليكم أن تصدقوه في دعوته ، وقد قرنها بالمعجزات الدالة على ذلك . وفي التعبير بصاحبكم إيماء إلى أنه معروف لهم مشهور لديهم ، فهو قد نشأ بين ظهرانيهم وعلموا ما له من صفات الفضل والنّبل وكرم الخلال مما لم يتهيأ لأحد من أترابه ولداته . وإذ قد استبان بالدليل أنه ليس بالمجنون في كل ما يقول ويدعى ، اتضح أنه صادق كما قال :
( إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ )
أي ما هذا الرسول بالكاذب ، بل هو نذير لكم بعقاب اللّه حين تقدمون عليه ، لكفركم به وعصيانكم أمره . وإنما جعل إنذاره بين يدي العذاب ، لأن محمدا مبعوث قرب الساعة كما جاء في الحديث « بعثت أنا والساعة جميعا إن كادت لتسبقنى » . و روى البخاري عن ابن عباس رضى اللّه عنهما قال : « صعد النبي صلّى اللّه عليه وسلم الصفا ذات يوم فقال : يا صباحاه ، فاجتمعت إليه قريش ، فقالوا : ما لك ؟ فقال : أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يمسّيكم أما كنتم تصدقوني ؟ قالوا بلى ، قال صلّى اللّه عليه وسلم : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . فقال أبو لهب : تبّا لك . ألهذا جمعتنا ؟ فأنزل اللّه عزّ وجل
« تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ »
. ولما نفى عن رسوله الجنون وأثبت له النبوة - ذكر وجها آخر يؤكد ذلك فقال :
تفسير المراغي — صفحة 97 | أحمد مصطفى المراغي