( وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ )
أي وأخذوا حين الفزع من الموقف إلى النار ولم يمكّنوا أن يمعنوا في الهرب .
( وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ )
أي وقالوا حينئذ : آمنا باللّه وملائكته وكتبه ورسله ، وأنّى لهم ذلك وقد صاروا بعيدين عن قبول الإيمان ؟ إذ هذه الدار ليست أهلا لقبول التكاليف من الإيمان باللّه والعمل الصالح .
ونحو الآية قوله :
« وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ »
.
( وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ )
أي وكيف يحصل لهم الإيمان في الآخرة وقد كفروا بالحق في الدنيا وكذبوا الرسل ؟ .
( وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ )
أي وهم قد كانوا يرجمون بظنون لا مستند لهم فيها ، فيتكلمون في الرسول بمطاعن ليس لها ما يؤيدها ، فتارة يقولون إنه شاعر ، وأخرى إنه كاهن ، وثالثة إنه ساحر ، إلى نحو ذلك من الأقوال الباطلة ، ويكذبون بالبعث والنشور والحساب والجزاء .
( وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ )
أي وحيل بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا ليعلموا صالحا كما قال :
« فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ . فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا »
.
ثم بين أن هذه سنة اللّه في أمثالهم ممن كذبوا الرسل من قبلهم فقال :
( كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ )
أي فعلنا بهم كما فعلنا بالأمم الماضية التي كذبت رسلها فتمنّوا حين رأوا بأس اللّه أن لو آمنوا ولكن لم يقبل منهم .
ثم علل عدم قبول إيمانهم ووصولهم إلى بغيتهم حينئذ بقوله :
( إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ )
أي لأنهم كانوا في الدار الأولى شاكين فيما أخبرت به الرسل من البعث والجزاء ، وقد تغلغل الشك في قلوبهم حتى صاروا لا يطمئنون إلى شئ مما جاءوا به .