وهو صدهم عن دعوة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بقولهم في القرآن : إنه إفك مفترى ، وإنه سحر واضح لا شك فيه ، وقد كان فيما حلّ بالأمم قبلهم مزدجر لهم لو أرادوا ، فقد بلغوا من القوة ما بلغوا ، وحين أرسل إليهم الرسل كذبوهم فأخذوا أخذ عزيز مقتدر ، ثم أنذرهم سوء عاقبة ما هم فيه وأوصاهم بأن يشمّروا عن ساعد الجدّ طلبا للحق متفرقين اثنين وواحدا واحدا ثم يتفكروا ليعلموا أن صاحبهم ليس بالمجنون ، بل هو نذير لهم يخوّفهم بأس اللّه وعذابه الشديد يوم القيامة ، وقد كان لهم من حاله ما يرغبهم في دعوته ، فهو لا يطلب منهم أجرا ولا يريد منهم جزاء ، وإنما مثوبته عند ربه المطّلع على كل شئ ؛ ثم أبان لهم أن الحق قد وضح ، وجاءت أعلام الشريعة كفلق الصبح نورا وضياء ، ولا بقاء للباطل ولا قرار له إذا ظهر نور الحق
« فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً ، وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ »
.
الإيضاح
( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ )
أي وإذا تتلى على المشركين آيات الكتاب الكريم دالة على التوحيد وبطلان الشرك ، قالوا إن هذا الرجل يريد أن يلفتكم عن الدين الحق دين الآباء والأجداد ، ليجعلكم من أتباعه دون أن يكون له حجة على ما يدّعى ، وبرهان يدل على صحة ما يسلك من سبيل .
ثم زادوا إنكارهم توكيدا وأيأسوا الرسول من الطمع في إيمانهم .
( وَقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً )
أي وقالوا إن القرآن الذي يدّعى محمد أنه وحي من عند ربه - كذب مختلق من عنده ، وقد نسبه إلى ربه ترويجا للدعوة ، واجتلابا لقلوب الكافة .
ثم شددوا في الإنكار فجعلوه سحرا بيّنا لا شك فيه عندهم كما حكى عنهم بقوله :
( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ )
أي وقال المشركون