تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
ثم ذكر أنهم بطروا وملّوا تلك النعم وآثروا الذي هو أدنى على الذي هو خير كما فعل بنوا إسرائيل فطلبوا أن يفصل بين القرى بمفاوز وقفار ، ليظهر القادرون منهم الأزواد والرواحل تكبرا وفخرا على العاجزين كما حكى سبحانه عنهم بقوله :
( فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا )
فاجعل بيننا وبين الشام فلوات ومفاوز ، لنركب فيها الرواحل ، ونتزود معنا فيها الأزواد ، فأجاب اللّه طلبهم وعاقبهم على بطرهم بالنعمة كما قال :
( وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ )
إذ قد عرّضوها للسخط والعذاب ، بغمط النعمة وعدم الوفاء بشكرها . ثم ذكر عاقبة أمرهم فقال :
( فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ )
أي فجعلناهم أحاديث للناس يسمرون بها ويعتبرون بأمرهم ، وكيف مكر اللّه بهم ، وفرّق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء وصاروا مضرب الأمثال فقيل للقوم يتفرقون تفرقوا أيدي سبأ ، فنزل آل جفنة ابن عمرو الشام ونزل الأوس والخزرج يثرب ، ونزلت أزد السّراة السّراة ، ونزلت أزد عمان عمانا ثم أرسل اللّه على السد السيل فهدمه .
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ )
أي إن في ذلك الذي حل بهؤلاء من النقمة والعذاب ، بعد النعمة والعافية ، عقوبة لهم على ما اجترحوه من الآثام - لعبرة لكل عبد صبار على المصائب ، شكور على النعم . روى سعد بن أبي وقاص رضى اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « عجبت من قضاء اللّه تعالى للمؤمن إن أصابه خير حمد ربه وشكر ، وإن أصابته مصيبة حمد ربه وصبر ، يؤجر المؤمن في كل شئ حتى اللقمة يرفعها إلى في امرأته » وكان مطرّف بن الشّخّير يقول : نعم العبد الصبار الشكور الذي إذا أعطى شكر ، وإذا ابتلى صبر .