عن الإدراك والفهم ، وليس هذا إلا الجنون بعينه ، وسيؤدى ذلك بهم إلى العذاب ، إذ هم قد أنكروا حكمة اللّه في خلق العالم وكذبوه في وعده ووعيده ، وتعرضوا لسخطه .
ثم ذكّرهم بما يعاينون مما يدل على كمال قدرته ، وفيه تنبيه لهم إلى ما يحتمل أن يقع لهم من القوارع التي تهلكهم ، وتهديد على ما اجترحوا من السيئات فقال :
( أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ؟ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ )
أي أفلم ينظر هؤلاء المكذبون بالمعاد ، الجاحدون للبعث بعد الممات فيعلموا أنهم حيث كانوا فإن أرضى وسمائي محيطة بهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ، فيرتدعوا عن جهلهم ، ويزدجروا عن تكذيبهم ، حذر أن نأمر الأرض فتخسف بهم أو نأمر السماء فتسقط عليهم كسفا ، فإنا إن نشأ أن نفعل ذلك بهم فعلنا ، لكنا نؤخره لحلمنا وعفونا .
وإجمال ذلك - إنه تعالى ذكّرهم بأظهر شئ لديهم يعاينونه حيثما وجدوا ، ولا يغيب عن أبصارهم حيثما ذهبوا ، وفيه الدليل على قدرته على البعث والإحياء ، فإن من قدر على خلق تلك الأجرام العظام لا تعجزه إعادة الأجسام ، فهي إذا قيست بها كانت كأنها لا شئ كما قال :
« أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ »
.
وفي هذا ما لا يخفى من التنبيه إلى مزيد جهلهم المشار إليه بالضلال البعيد .
ثم ذكر ما هو كالعلة في الحث على الاستدلال بذلك ، ليزيح إنكارهم بالبعث فقال :
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ )
أي إن في النظر إلى خلق السماوات والأرض ، لدلالة لكل عبد فطن منيب إلى ربه على كمال قدرتنا على بعث الأجساد ووقوع المعاد ، لأن من قدر على خلق هذه السماوات على ارتفاعها واتساعها ، وعلى هذه الأرض على انخفاضها وطولها وعرضها - قادر على إعادة الأجسام ، ونشر الرميم