تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
( إِنَّا مُوقِنُونَ )
أي إنا قد أيقنا الآن ما كنا به في الدنيا جهالا من وحدانيتك ، وأنه لا يصلح للعبادة سواك ، وأنك تحيى وتميت ، وتبعث من في القبور بعد الممات والفناء ، وتفعل ما تشاء . ونحو الآية قوله :
« وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ ، فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا »
الآية .
( وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها )
أي ولو أردنا أن نلهم كل نفس ما تهتدى به إلى الإيمان والعمل الصالح لفعلنا ، ولكن تدبيرنا للخلق على نظم كاملة ، كفيلة بمصالحه ، قضى أن نضع كل نفس في المرتبة التي هي أهل لها بحسب استعدادها ، كما توضع في الإنسان العين في موضع لا يصلح له الظفر والإصبع ، والمعدة في موضع لا يصلح له القلب ، وهذا هو المراد من قوله :
( وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ )
أي ولكن سبق وعيدي بملء جهنم من الجنة والناس الذين هم أهل لها ، بحسب استعدادهم ، ولا يصلحون لدخول الجنة ؛ كما لا يعيش البعوض والذباب ، إلا في الأماكن القذرة ، ليخلّص الجو من العفونات ، ولو جعلا في القصور النظيفة النقية ما عاشا فيها ، إذ لا يجدن فيها غذاء ولا منفعة لهما : وهكذا هؤلاء إذا رأوا العالم المضيء المشرق ، والأنوار المتلألئة ، والحياة الطيبة في الجنة لم يستطيعوا دخولها ، وعجزوا عن ذلك ، فما مثلهم إلا مثل السمك الذي لا يعيش في البر ، ومثل ذوات الأربع التي لا تعيش في البحر . ولما بين لهم أنه لا رجوع إلى الدنيا أنّبهم على ما عملوا من تدسية نفوسهم بفعل المعاصي ، وترك الطاعة له ، فقال :
( فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا )
أي فذوقوا العذاب بسبب تكذيبكم بهذا اليوم ، واستبعادكم وقوعه ، وعملكم عمل من لا يظن أنه راجع إلى ربه فملاقيه .