المعنى الجملي
بعد أن ذكر فيما سلف أن العبد لا يترك في الدنيا سدى ، وأن من ترك ما كلف به عذّب - أردف ذلك بيان أن من يعترف بالآخرة ويعمل لها لا يضيّع اللّه عمله ولا يخيّب أمله ، ثم ذكر أن طلب ذلك من المكلف ليس لنفع يعود إلى اللّه تعالى فهو غنىّ عن الناس جميعا ، ثم أرشد إلى أن جزاء العمل الصالح تكفير السيئات ، ومضاعفة الحسنة إلى عشر أمثالها فضلا منه ورحمة .
الإيضاح
( مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )
أي من كان يطمع في ثواب اللّه يوم لقائه فليبادر إلى فعل ما ينفعه ، وعمل ما يوصله إلى مرضاته ، ويجتنب ما يبعد من سخطه ، فإن أجل اللّه الذي أجّله لبعث خلقه للجزاء لآت لا محالة ، واللّه هو السميع لأقوال عباده ، العليم بعقائدهم وأعمالهم ، ويجازى كلا بما هو أهل له ، وفي هذا تنبيه إلى تحقق حصول المرجوّ والمخوف وعدا ووعيدا .
ثم بين سبحانه أن التكليف بجهاد النفس وجهاد الحرب ليس لنفع يعود إليه ، بل لفائدة المكلف فقال :
( وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ ، إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ )
أي ومن بذل جهده في جهاد عدو أو حرب نفس فإنما يجاهد لنفع نفسه ، لأنه إنما يفعل ذلك ابتغاء الثواب من اللّه على جهاده ، وهربا من عقابه ، وليس باللّه إلى فعله حاجة ، فهو غنى عن جميع خلقه ، له الملك وله الأمر يفعل ما يشاء .
ونحو الآية :
« مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ » *
وقوله :
« إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ »
.
ثم بين بالتفصيل جزاء المطيع فقال :
( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ