وقد حصل التنبيه في القرآن بغير الحروف التي لا يفهم معناها كقوله :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ » *
، وقوله :
« يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ؟ »
، من قبل أن تقوى اللّه أمر عظيم ، ومثلها تحريم ما أحل اللّه .
وقد بدئت هذه السورة بالحروف وليس فيها البدء بالقرآن أو الكتاب من قبل أن فيها ذكر جميع التكاليف ، وهي شاقة على النفس ، فحسن البدء بحروف التنبيه للإيقاظ إلى ما يلقى بعدها :
( أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ )
أي أظن الذين نجوا من أصحابك من أذى المشركين أن نتركهم بغير اختبار ولا امتحان بمجرد قولهم : آمنا بك وصدقناك فيما جئنا به من عند اللّه ، كلا لنمتحننّهم بشاقّ التكاليف كالهجرة ، والجهاد في سبيل اللّه ، ورفض الشهوات ، ووظائف الطاعات ، وأفانين المصائب في الأنفس والأموال والثمرات ، ليمتاز المخلص من المنافق ، والراسخ في الدين من المتزلزل فيه ، ونجازى كلا بحسب مراتب عمله .
ونحو الآية قوله :
« أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ »
.
والخلاصة : أيظن الناس أنهم يتركون بمجرد قولهم آمنا دون أن يبتلوا بالفرائض البدنية والمالية كالهجرة من الأوطان والجهاد في سبيل اللّه ودفع الزكاة للفقراء والمحتاجين وإغاثة البائسين والملهوفين .
ثم ذكر ما هو كالتسلية لهم بما نال من قبلهم بالمشاقّ فقال :
( وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ )
أي ولقد اختبرنا أتباع الأنبياء من الأمم السالفة وأصبناهم بضروب من البأساء والضراء فصبروا وعضوا على دينهم بالنواجذ ، فابتلينا بني إسرائيل بفرعون وقومه وأصابهم منه البلاء العظيم والجهد الشديد ، وابتلينا من آمن بعيسى بمن كذبه وتولى عنه - لا جرم ليصيبنّ أتباعك أذى شديد وجهد عظيم ممن خالفهم وناصبهم العداء .