وفي مثل هذه الحال يستبشر الناس بمشاهدة النار من بعد لما يرجى فيها من زوال الحيرة وأمن الطريق ومن الانتفاع بها للاصطلاء ، ومن ثم قال لها هذه المقالة .
( فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ )
أي فلما وصل إلى النار نودي بأن بورك من في مكان النار ومن حول مكانها ، ومكانها هي البقعة المباركة المذكورة في قوله :
« نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ »
ومن حولها من في ذلك الوادي وحواليه من أرض الشام الموسومة بالبركات ومهبط الخيرات ، لكونها مبعث الأنبياء وكفاتهم أحياء وأمواتا .
وقوله سبحان اللّه تنزيه لنفسه عما لا يليق به في ذاته وحكمته وإيذان بأن مدبر ذلك الأمر هو رب العالمين .
أخرج عبد بن حميد وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن أبي موسى الأشعري قال : قام فينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « إن اللّه لا ينام ، ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار ، وعمل النهار قبل الليل ، حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت سبحات ( أنوار ) وجهه كل شئ أدركه بصره » ثم قرأ أبو عبيدة « أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان اللّه رب العالمين » .
وفي التوراة : جاء اللّه من سيناء ، وأشرف من ساعير ، واستعلى من جبل فاران ، فمجيئه من سيناء بعثه موسى منها ، وإشرافه من ساعير بعثه المسيح منها ، واستعلاؤه من فاران بعثه محمدا صلى اللّه عليه وسلم ( وفاران مكة ) .
ولما تشوقت النفس إلى تحقيق ما يراد بالتصريح قال تعالى تمهيدا لما أراد إظهاره على يد موسى من المعجزات الباهرة :
( يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )
أي يا موسى إن الذي يخاطبك ويناجيك هو ربك الذي عزّ كل شئ وقهره ، وهو الحكيم في أقواله وأفعاله .