تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
ثم أكدوا هذا الإنكار بقولهم :
( إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ )
أي ما حياة إلا هذه حياة في الدنيا ، تموت الأحياء منا فلا تحيا ، ويحدث آخرون منا ويولدون ، وما نحن مبعوثين بعد الموت ، إنما مثلنا مثل الزرع يحصد هذا وينبت ذاك والخلاصة - إنه يموت منا من هو موجود ، وينشأ آخرون بعدهم . وبعد أن كان أمرهم معه مقصورا على الاستبعاد فحسب ، جاهروا بتكذيبه فيما يدعى فقالوا :
( إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ )
أي ما هود إلا رجل يختلق الكذب على اللّه ، فتارة يقول : مالكم من إله غير اللّه خالق السماوات والأرض وأخرى يقول : إنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما إنكم مخرجون ، وما نحن بمصدقيه فيما يدّعى ويزعم من التوحيد والبعث . ولما يئس هود من إيمانهم بعد ذكر هذه المقالة
« وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ »
فزع إلى ربه
( قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ )
أي قال بعد أن يئس من إيمانهم وقد سلك في دعوتهم كل مسلك ، متضرعا إلى ربه : رب انصرني عليهم وانتقم لي منهم بتكذيبهم إياي فيما دعوتهم إليه من الحق وإصرارهم على الباطل . فأجابه ربه إلى ما سأل .
( قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ )
أي قال تعالى مجيبا دعاءه : ليصيرنّ مكذبوك بعد زمن قليل نادمين على ما فعلوا ، وستحل بهم نقمتنا ، ولا ينفعهم الندم حينئذ . ثم أخبر أنه أنجز وعيده فيهم فقال :
( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً )
أي فسلطنا عليهم نقمتنا فأخذهم العذاب الذي لا قبل لهم به ، وقد كانوا لمثله مستحقين ، بسبب كفرهم وتكذيبهم برسوله ، فجعلناهم كغثاء السيل ، لاغناء فيهم ، ولا فائدة ترجى منهم .