تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
ما هم فيه من الضلال أنهم متّعوا في الحياة الدنيا ونعموا بها وطال عليهم العمر حتى اعتقدوا أنهم على شئ . وقصارى ذلك - إنهم طالت أعمارهم وهم في الغفلة فنسوا عهدنا ، وجهلوا مواقع نعمتنا ، فاغتروا بذلك ولم يعرفوا مواضع الشكر . ثم بين لهم سوء مغبتهم فقال :
( أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها ؟ )
أي أفلا يرى هؤلاء المشركون باللّه المستعجلون للعذاب آثار قدرتنا في إتيان الأرض من جوانبها ، ففتحناها للمؤمنين وزدناها في ملكهم واقتطعناها من أيدي المشركين ؟ فقد تم لهم فتح البلاد التي حوالي مكة وقتل رؤسائها وإزالة دولة الشرك وأهله منها ، ألا يفكرون في هذا فيكون لهم فيه مزدجر لو كانوا يعقلون ؟ . والخلاصة - ألا يعتبرون ويحذروا أن ينزل بهم بأسنا كما أنزلناه بسواهم ؟ . ثم وبخهم وأنّبهم على غفلتهم عن الحق بعد وضوحه فقال :
( أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ )
أي أفهم الغالبون أم نحن ؟ أي أفبعد ظهور ما ذكر ورؤيتهم إياه يتوهمون غلبتهم ؟ . وبعد أن بين هول ما يستعجلون ، وحالهم السيئة حين نزوله بهم ، ثم نعى عليهم جهلهم وإعراضهم عن ذكر ربهم الذي يكلؤهم من طوارق الليل وحوادث النهار ، أمر رسوله أن يقول لهم : إن ما أخبركم به جاء به الوحي الصادق فقال :
( قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ )
أي إني إنما أنذركم ما تستعجلونه من الساعة وشديد أهوالها - بالوحي الصادق الناطق بحصوله وفظاعة أهواله ، وقد أمرني ربى بذلك ، وها أنا ذا قد قمت بما أمرني به ، فإن لم تجيبوا داعى اللّه وتقبلوا ما دعوتكم إليه فعليكم النكال والوبال لا علىّ . ثم أردف هذا أن الإنذار مع مثل هؤلاء لا يجدى فتيلا ، فما حالهم إلا حال الصم الذين لا يسمعون دعوة الداعي فقال :