فحزن واشتد عليه ذلك ، وقال المشركون إن ربه ودّعه وقلاه ، فلما نزل قال له عليه السلام يا جبريل احتبست عنى حتى ساء ظني ، واشتقت إليك ، فقال إني إليك لأشوق ، ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت ، وإذا حبست احتبست ، وأنزل اللّه هذه الآية »
و
عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لجبريل « ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا ؟ فنزلت هذه الآية إلى آخرها » .
الإيضاح
( وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ )
أي وما تنزل الملائكة بالوحي على الرسل وقتا بعد وقت إلا بأمر اللّه على ما تقتضيه حكمته ، وتدعو إليه مصلحة عباده ، ويكون فيه الخير لهم في دينهم ودنياهم .
ثم علل الملك ذلك بقوله :
( لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ )
أي إنه تعالى هو المدبر لنا في جميع الأزمنة مستقبلها وماضيها وحاضرها .
وقصارى ذلك - إن أمرنا موكول إلى اللّه تعالى يتصرف فينا بحسب مشيئته وإرادته لا اعتراض لأحد عليه ، فلا ننتقل من مكان إلى مكان ، ولا ننزل في زمان دون زمان إلا بإذنه عزّ وجل .
( وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا )
أي إنه تعالى لإحاطة علمه بملكه ، لا يطرأ عليه غفلة ولا نسيان حتى يغفل عنك وعن الإيحاء إليك ، وإنما كان تأخير الوحي لحكمة علمها جل شأنه .
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني في جماعة آخرين عن أبي الدرداء مرفوعا قال « ما أحل اللّه في كتابه فهو حلال ، وما حرمه فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عافية ، فاقبلوا من اللّه عافيته ، فإن اللّه لم يكن لينسى شيئا ثم تلا :
وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا »
.
ثم أقام الدليل على ما تقدم بقوله :