تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
فأجابهم اللّه عن هذه الشبهة ذاكرا وجه الحق منبّها إلى المصلحة بقوله :
( قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا )
أي لو وجد في الأرض ملائكة يمشون كما يمشى البشر ، ويقيمون فيها كما يقيمون ، ويسهل الاجتماع بهم ، وتتلقى الشرائع منهم - لنزلنا عليهم من السماء رسلا من الملائكة للهداية والإرشاد وتعليم الناس ما يجب عليهم تعلّمه ، ولكن طبيعة الملك لا تصلح للاجتماع بالبشر ، فلا يسهل عليهم التخاطب والتفاهم معهم ، لبعد ما بين الملك وبينهم ، ومن ثم لم نبعث ملائكة إليهم ، بل بعثنا خواصّ البشر ، لأن اللّه قد وهبهم نفوسا زكية ، وأيدهم بأرواح قدسية ، وجعل لهم ناحية ملكية ، بها يستطيعون أن يتلقّوا من الملائكة ، وناحية بشرية ، بها يبلغون رسالات ربهم إلى عباده . وقد نبّه سبحانه إلى عظيم هذه الحكمة ، وجليل تلك النعمة بقوله : « لقد منّ اللّه على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم » وقوله : « لقد جاءكم رسول من أنفسكم » وقوله : « كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكّيكم ويعلّمكم الكتاب والحكمة ويعلّمكم ما لم تكونوا تعلمون » . وإجمال القول في ذلك - إنه لو جعل الرسل ملائكة لما استطاع الناس التخاطب معهم ، ولما تمكّنوا من الفهم منهم ، فلزم أن يجعلوا بشرا حتى يستطيعوا أداء الرسالة كما قال تعالى جدّه : « ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون » . و قد ثبت أن جبريل عليه السلام جاء في صورة دحية الكلبي مرارا عدة ، فقد صح أن أعرابيا جاء وعليه وعثاء السفر فسأله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم عن الإسلام والإيمان ، فأجابه عليه السلام بما أجابه ثم انصرف ، ولم يعرفه أحد من الصحابة رضوان اللّه عليهم فقال عليه السلام : هذا جبريل جاء يعلّمكم دينكم .
تفسير المراغي — صفحة 97 | أحمد مصطفى المراغي