تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
وإجمال ذلك - إن الزنا فاحشة وأي فاحشة ، لما فيه من اختلاط الأنساب والتقاتل والتناحر دفاعا عن العرض ، وإنه سبيل سيئ من قبل أنه يسوّى بين الإنسان والحيوان ، في عدم اختصاص الذكران بالإناث . وبعد أن نهى عن قتل الأولاد للسبب المتقدم نهى عن القتل مطلقا فقال :
( وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ )
أي ولا تقتلوا النفس التي حرم الإسلام قتلها إلا قتلا متلبسا بالحق ، وهو أحد أمور ثلاثة : كفر بعد إيمان ، وزنا بعد إحصان ، وقتل مؤمن معصوم عمدا كما جاء في الحديث الذي رواه الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود : « لا يحل دم امرئ يشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس ، والثيب الزاني ، والتارك لدينه المفارق للجماعة » . والسبب في هذا التحريم وجوه : ( 1 ) إنه إفساد فوجب حرمته لقوله
« وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ » *
. ( 2 ) إنه ضرر ، والأصل في المضارّة الحرمة لقوله :
« يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ »
وقوله صلى اللّه عليه وسلّم « لا ضرر ولا ضرار » . ( 3 ) إنه إذا أبيح القتل زال هذا النوع من الوجود ففتك القوى بالضعيف ، وحدث الاضطراب في المجتمع ، فلا يستقيم للناس حال ولا ينتظم لهم معاش
( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً )
أي ومن قتل مظلوما بغير حق يوجب قتله فقد جعلنا لمن يلي أمره من وارث أو سلطان عند عدم الوارث تسلطا واستيلاء على القاتل ، بمؤاخذته بأحد أمرين : إما القصاص منه ، وإما الدية لقوله تعالى :
« كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى »
الآية ولقوله عليه الصلاة والسلام يوم الفتح « من قتل قتيلا فأهله بين خيرتين ، إن أحبّوا قتلوا ، وإن أحبوا أخذوا الدية » .
( فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ )
أي فلا يتجاوز الحد المشروع فيه بأن يقتل اثنين مثلا بإزاء واحد ، كما كانوا يفعلون في الجاهلية ، إذ كانوا يقتلون القاتل ويقتلون معه غيره إذ كان رجلا شريفا ، وأحيانا لا يرضون بقتل القاتل بل يقتلون بدله رجلا شريفا