( قالَ أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً )
أي قال له فتاه : أرأيت ما حدث لي حين التجأنا إلى الصخرة التي بمجمع البحرين ؟ إني نسيت أن أخبرك بما حدث من الحوت ، إنه حىّ واضطرب ووقع في البحر واتخذ سبيله فيه سبيلا عجبا . وذاك أن مسلكه كان كالطاق والسّرب - وما أنساني ذكره إلا الشيطان .
( قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ )
أي قال موسى : ذلك الذي ذكرت من أمر الحوت ما كنا نطلبه من حيث إنه أمارة للفوز بما هو المقصود بالذات .
( فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً )
أي فرجعا في الطريق الذي جاءا فيه يتبعان أثرهما اتباعا حتى أتيا الصخرة .
قال البقاعي - إن هذا يدل على أن الأرض كانت رملا لا علامة فيها ، فالظاهر واللّه أعلم أنها مجمع النيل والملح عند دمياط أو رشيد من بلاد مصر ، ويؤيده نقر العصفور في البحر الذي ركب فيه سفينته للتعدية كما ورد في الحديث ، فإن الطير لا يشرب من الماء الملح اه .
وخلاصة ما تقدم - إنه تعالى بيّن لموسى عليه السلام أن موضع هذا العالم مجمع البحرين ، وأن علامة وجوده في المكان المعين انقلاب الحوت الميت الذي في المكتل حيا ، فلما بلغا مجمع بينهما اضطرب الحوت فيه ووثب في الماء وقد أمسك اللّه إجراء الماء على البحر وجعله كالطاق أو الكوّة حتى سرى الحوت فيه ، فلما جاوز موسى وفتاه المكان المعين وهو الصخرة بسبب النسيان ، وسارا كثيرا وتعبا وجاعا قال موسى لفتاه : آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ، قال الفتى : أرأيت ما وقع لي من الحوت حين لجأنا إلى الصخرة فاتخذ سبيله في البحر اتخاذا عجبا إذا انقلب من المكتل وصار حيا وألقى نفسه في البحر على غفلة منى ، وإني نسيت أن أبلغك خبره ، وما أنساني ذكره إلا الشيطان ، قال موسى ذلك الذي كنا نطلبه ، لأنه أمارة الظفر