طريقي الخير والشر -
إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً »
وقد تقدم إيضاح هذا عند قوله :
« وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً »
وعند قوله :
« وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ »
.
وبعد أن ذكر نعمته عليهم بتسخير الدواب والأنعام - شرع يذكر نعمته عليهم في إنزال المطر فقال :
( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ )
أي إن الذي خلق لكم الأنعام والخيل وسائر البهائم لمنافعكم ومصالحكم - هو الذي أنزل المطر من السماء عذبا زلالا تشربون منه وتسقون أشجاركم ونباتكم التي تسيمون فيها أنعامكم وفيها ترعى .
( يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ )
أي ينبت لكم بالماء الذي أنزله من السماء زرعكم وزيتونكم ونخيلكم وأعنابكم ومن كل الثمرات غير ذلك - أرزاقا لكم وأقواتا نعمة منه عليكم وحجة على من كفر به .
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )
أي إن فيما ذكر من إنزال الماء وغيره .
لأدلة وحججا على أنه لا إله إلا هو ، لقوم يعتبرون مواعظ اللّه ويتفكرون فيها حتى تطمئن قلوبهم بها ، وينبلج نور الإيمان فيها ، فيضيء أفئدتهم ويزكّى نفوسهم ، فمن فكّر في أن الحبة والنواة تقع في الأرض وتصل إليها نداوة منها تنفذ فيها ، فينشق أسفلها فيخرج منه عروق تنبسط في الأرض ويخرج منها ساق ينمو وتخرج فيه الأوراق والأزهار والحبوب والثمار المشتملة على أجسام مختلفة الأشكال والألوان والخواص والطباع - علم أن من هذه آثاره لا يمكن أن يشبهه شئ في صفات كماله فضلا عن أن يشاركه في أخص صفاته وهي الألوهية واستحقاق العبادة .