تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
أيها الرسول على اليهود ما أنبأناك به من قبل في سورة الأنعام :
« وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ »
. ثم بين السبب في ذلك التحريم عليهم فقال :
( وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )
أي وما ظلمناهم بتحريم ذلك عليهم ، ولكن ظلموا أنفسهم بمعصيتهم لربهم وتجاوزهم حدوده التي حدها لهم وانتهاك حرماته ، فعوقبوا بهذا التحريم كما قال في آية أخرى :
« فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ »
الآية . وفي هذا إيماء لي أن ذلك التحريم إنما كان للظلم والبغي عقوبة وتشديدا ، وبه يعلم الفرق في التحريم بينهم وبين غيرهم ، فإنه لهم عقوبة ، ولنا للمضرّة فحسب . ثم بيّن أن الافتراء على اللّه وانتهاك حرماته لا يمنع من التوبة التي يتقبّلها اللّه منهم ، ويغفر لهم زلاتهم رحمة منه وفضلا فقال :
( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ )
أي إن ربك للذين افتروا عليه وأشركوا به سواه وركبوا ما لا يليق من المعاصي بسبب الجهالة التي تحملهم على انتهاك حرمات الدين كالقتل للغيرة أو للعصبية كما جاء في الخبر « اللهم إني أعوذ بك من أن أجهل أو يجهل علىّ » . وقال عمرو بن كلثوم :
ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا
إنه لغفور رحيم لهم إذ هم تابوا وندموا على ما فرط منهم ، وأصلحوا أعمالهم ففعلوا ما يحب اللّه ورسوله . وفي قوله : بجهالة ، إيماء إلى أن من يأتي الذنوب قلّما يفكر في العاقبة ، لغلبة الشهوة عليه أو لجهالة الشباب والطيش .