تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
وجوب الشكر على النعمة ، فأخذهم العذاب واستأصل شأفتهم لالتباسهم بالظلم ، وهو الكفر وتكذيب الرسول . وفي هذا إيماء إلى تماديهم في الكفر والعناد ، وإلى أن ترتيب العذاب على تكذيب الرسول جاء على سنة اللّه في أنه لا يعذب أمة إلا إذا أنذرها ، وبعث إليها رسولا يعظها ويرشدها كما يدل على ذلك قوله :
« وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا »
وهكذا حال أهل مكة ، فإنهم كانوا في حرم آمن يتخطّف الناس من حولهم ، ولا يمرّ بهم طيف من الخوف ، ولا يزعج قلوبهم مزعج ، وكانت تجبى إليهم ثمرات كل شئ ، وقد جاءهم رسول من أنفسهم فأنذرهم وحذّرهم ، فكفروا بأنعم اللّه وكذبوا رسوله ، فأخذهم اللّه أخذ عزيز مقتدر ، وأذاقهم لباس الجوع والخوف بدعاء رسوله إذا قال : « اللهم اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف » فاضطروا إلى أكل الجيف والكلاب الميتة والعظام المحرقة ، وكان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى شبه الدخان من الجوع ، وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت من سرايا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، حيث كانوا يغيرون على مواشيهم وغيرهم وقوافلهم ، ثم أخذهم يوم بدر ما أخذهم من العذاب ، وقد جعل اللّه الجوع والخوف اللذين خالط أذاهما أجسامهم - لباسا لهم لأن أثرهما وضررهما قد أحاط بهم من كل جانب ، فأشبها اللباس الذي يغطّى الجسم ويحيط به ، وجعل إصابتهم بهما إذاقة دلالة على شدة تأثيرهما الشديد الذي حدث فيهم كما يكون ذلك حين ذوق شئ مرّ بشع كريه ، إذ يجد الذائق تقززا واشمئزازا .

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 114 إلى 119 ]

فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 114 ) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 115 ) وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ( 116 ) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 117 ) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 118 ) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 119 )