تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
وتفسد حواسه ويكون في عقله وقوته كالطفل كما قال :
« وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ »
. أخرج البخاري وابن مردويه عن أنس بن مالك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم كان يقول في دعائه : « أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة الدجال وفتنة المحيا والممات » و ثبت أنه صلى اللّه عليه وسلّم كان يتعوّذ باللّه أن يرد إلى أرذل العمر ، و نقل عن علي كرم اللّه وجهه أن أرذل العمر خمس وسبعون سنة ، وهذا ليس بالمطرد ولا بالكثير .
( لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً )
أي إنما رده إلى أرذل العمر ليعود جاهلا كما كان حين طفولته وصباه ، لا يعلم شيئا مما كان يعلمه في شبابه ، لأن الكبر قد أضعف عقله وأنساه ، فلا يعلم شيئا مما كان يعلم ، وقد انسلخ من عقله بعد أن كان كامل العقل . وخلاصة ذلك - إنه يكون نسّاء ، فإذا كسب علما في شئ لم يلبث أن ينساه ويزول من ساعته ، فيقول لك من هذا ؟ فتقول له هذا فلان ، فلا يمكث إلا هنيهة ثم يسألك عنه مرة أخرى .
( إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ )
أي إن اللّه عليم بكل شئ ، فيعلم وجه الحكمة في الخلق والتوفى والرد إلى أرذل العمر ، ولا ينسى شيئا من ذلك ، وهو قدير على كل شئ فلا يعجزه شئ أراده . ومجمل القول - إن ما يعرض في الهرم من ضعف القوة والقدرة وانتفاء العلم يتنزه عن مثله المولى جل شأنه ، فهو كامل العلم تام القدرة ، لا يتغير شئ منهما بمرور الأزمنة كما يتغير علم البشر وقدرتهم . ولما ذكر سبحانه تفاوت الناس في الأعمار ذكر تفاوتهم في الأرزاق فقال :
( وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ )
أي واللّه تعالى جعلكم متفاوتين في أرزاقكم ، فمنكم الغنى ومنكم الفقير ، ومنكم المملوك ومنكم المالك ، وأعطاكم من الرزق أكثر مما أعطى مماليككم ، ولم يجعل ذلك بحسن الحيلة وفضل العقل فحسب ، فكثيرا