تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١

الإيضاح

( المر )
قلنا فيما سلف إن هذه الحروف في أوائل السور حروف تنبيه كألا ونحوها وتقرأ بأسمائها ساكنة فيقال « ألف ، لام ، ميم ، را » ؛ كما قلنا إن كل سورة بدئت بهذه الحروف ففيها انتصار للقرآن ، وتبيان أن نزوله من عند اللّه حق لا شك فيه .
( تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ )
أي آيات هذه السورة آيات القرآن البالغ حد الكمال المستغنى عن الوصف بين الكتب السماوية ، الجدير بأن يختص باسم « الكتاب » .
( وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ )
أي وكل القرآن الذي أنزله إليك ربك حق لا شك فيه ، وهذا كالإجمال بعد التفصيل لما تقدم من وصف السورة بالكمال فكأنه سبحانه بعد أن أثبت لهذه السورة الرفعة والكمال عمم هذا الحكم فأثبته للقرآن جميعه ، فلا تختص به سورة دون أخرى . وهذا الأسلوب جار على سنن العرب في تخاطبهم فقد قالت فاطمة الأنمارية وقد سئلت عن بنيها ، أىّ بنيك أفضل ؟ ( ربيعة ، بل عمارة ، بل قيس ، بل أنس ، ثكلتهم إن كنت أعلم أيّهم أفضل ، هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها ) فبعد أن أثبتت الفضل لكل منهم على سبيل التعيين ، أجملت القول وأثبتت لهم الفضل جميعا .
( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ )
أي ولكن أكثر الناس لا يصدقون بما أنزل عليك من ربك ، ولا يقرون بهذا القرآن وما فيه من بديع الأمثال والحكم والأحكام التي تناسب مختلف العصور والأزمان والتي لو سار الناس على سننها لسعدوا في الدنيا والآخرة ؛ وقد سلك المسلمون سبيلها في عصورهم الأولى فكانوا خير أمة أخرجت للناس ، وامتلكوا أكثر المعمور في ذلك الحين وثلّوا عروش كسرى والروم ودانت لهم الرقاب ، وساسوا الملك سياسة شهد لهم أعداؤهم بأنها كانت سياسة عدل ورفق ، وأخذ على يد الظالم لإنصاف المظلوم ، فللّه دين رفع من قدر أهله حتى أوصلهم