لغيرهم ، ذكر هنا لرسوله أن وظيفته التبليغ ، ولا يهمه ما سينالهم من الجزاء فعلينا حسابهم ، وهل هم في شك من حصول ما توعدناهم به وهم يرون بلادهم تنقص من جوانبها بفتح المسلمين لها وقتل أهلها وأسرهم وتشريدهم ، واللّه يحكم في خلقه كما يريد ، وقد حكم للمسلمين بالعز والإقبال ، وعلى أعدائهم بالقهر والإذلال - ثم بين أن قومه ليسوا ببدع في الأمم فقد مكر من قبلهم بأنبيائهم ولم يكن مكرهم ليضيرهم شيئا فكانت العاقبة للمتقين ، وأهلك اللّه القوم الظالمين ، وسيعلم الكافرون حين يحل بهم العذاب ، لمن حسن العاقبة ؟ ثم ذكر إنكار اليهود لرسالته وأمره بالجواب عن ذلك بأن اللّه شهد له بأنه صادق فيها ، فأيده بالأدلة والحجج ، وفي شهادته غنى عن شهادة أىّ شاهد آخر ، وكذلك شهد من آمن من أهل الكتاب بأنهم يجدون وصفه في كتبهم .
الإيضاح
( وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ )
أي إن أريناك أيها الرسول في حياتك بعض الذي نعد هؤلاء المشركين باللّه من العقاب على كفرهم ، أو توفيناك قبل أن نريك ذلك ، فما عليك إلا تبليغ رسالة ربك ، لا طلب صلاحهم ولا فسادهم ، وعلينا محاسبتهم ومجازاتهم بأعمالهم ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، ونحو الآية قوله تعالى :
« فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ . لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ . إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ . فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ . إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ »
.
( أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها ؟ )
أي أشكّ أولئك المشركون من أهل مكة الذين يسألونك الآيات ، ولم يروا أنا نأتى الأرض فنفتحها لك أرضا بعد أرض ، ونلحقها بدار الإسلام ، ونذهب منها أهلها بالقتل والأسر والإجلاء ؟ أليس هذا مقدمة لما أوعدناهم بحصوله ، ونذيرا بما سيحل بهم من النكال والوبال في الدنيا والآخرة لو تدبروا ، فما لهم عن التذكرة معرضين ؟ .