وبعد أن شرح سبحانه أقاصيص عبدة الأوثان ، ثم أتبعه بأحوال الأشقياء والسعداء ، أنذر أعداء النبي صلى اللّه عليه وسلم والمشركين من قومه بما حل بالأمم المهلكة من العذاب فقال :
( فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ )
أي إذا كان أمر الأمم المشركة الظالمة في الدنيا ثم في الآخرة كما قصصناه عليك ، فلا تكن في أدنى ريب مما يعبد قومك هؤلاء في عاقبته بمقتضى تلك السنن التي لا تبديل لها .
وفي ذلك تسلية له صلى اللّه عليه وسلم ووعيد لقومه كما لا يخفى .
ثم بين حالهم في عبادتهم وجزاءهم عليها فقال :
( ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ ، وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ )
أي إنهم أشبهوا آباءهم في الجهل والتقليد فهم مقلدون لهم ، وإنا لمعطوهم نصيبهم من جزاء أعمالهم في الدنيا وافيا تامّا لا ينقص منه شئ كما وفينا آباءهم الأولين من قبل ؛ فأعمال الخير التي يعملونها في الدنيا كبرّ الوالدين وصلة الأرحام وإغاثة الملهوف يوفون جزاءهم عليها بسعة الرزق وكشف الضر جزاء تاما وافيا ولا يجزون عليها في الآخرة ، ومثل هذا الجزاء متاع عاجل لا يلبث أن يزول .
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 110 إلى 111 ]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ( 110 ) وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 111 )
المعنى الجملي
بعد أن ذكّر مشركي مكة بأقوام غلب عليهم الكفر والجحود ولم يؤمن إلا القليل منهم ، فوفّاهم جزاء أعمالهم في الدنيا وسيوفيهم جزاءهم في الآخرة - ذكّرهم في هاتين