تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
أتصرّف فيها بغير وسائل الأسباب المسحرة لسائر الناس ، فأنفق على نفسي وعلى من تبعني بالتصرف فيها بخوارق العادات ، بل أنا وغيرى في الكسب سواء ، إذ ذلك ليس من موضوع الرسالة ولا من خصائص النبي ، ولو كان كذلك لا تبع الناس الرسل لأجلها . بل الغاية من بعث الرسل تزكية الأنفس بمعرفة اللّه وعبادته ، وتأهيلها لمثوبته في دار كرامته ، ورضاه عنها يوم لا ينفع مال ولا بنون .
( وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ )
فلا أمتاز عن سائر البشر بعلم ما لا يصل إليه علمهم الكسبي من مصالحهم ومنافعهم ومضارهم في معايشهم وكسبهم ، فأخبر بها أتباعى ليفضلوا عليكم ، ومن ثم أمر اللّه نبيه أن يقول لقومه :
« قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ »
( وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ )
من الملائكة أرسلت إليكم فأكون كاذبا فيما أدعى ، بل أنا بشر مثلكم أمرت بدعائكم إلى اللّه وقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم . وفي هذا دحض لشبهتهم ، إذ زعموا أن الرسول من اللّه إلى البشر يجب أن يفضلهم ويمتاز عنهم ، ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن يكون ملكا يعلم ما لا يعلمه البشر ، ويقدر على ما لا يقدر عليه البشر .
( وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً )
أي ولا أقول للذين اتبعوني وآمنوا باللّه وحده ، وأنتم تنظرون إليهم نظرة استصغار واحتقار فتزدريهم أعينكم لفقرهم ورثاثة حالهم : لن يؤتيهم اللّه خيرا وهو ما وعدوه على الأيمان والهدى من سعادة الدنيا والآخرة .
( اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ )
أي اللّه أعلم بما في صدورهم وبما آتاهم من الإيمان على بصيرة ، ومن اتباع رسوله بإخلاص وصدق سريرة ، لا كما زعمتم من اتباعهم إياي بادي الرأي بلا بصيرة ولا علم .
( إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ )
أي إني إذا قضيت على سرائرهم بخلاف ما أبدته لي ألسنتهم على غير علم منى بما في نفوسهم أكون ظالما لهم بهضم حقوقهم .
تفسير المراغي — صفحة 29 | أحمد مصطفى المراغي