فأنبتت به الأرض أزواجا شتى من النبات تشابكت واختلط بعضها على كثرتها واختلاف ألوانها وأنواعها من أصناف شتى تكفى الناس في أقواتهم ومراعى أنعامهم .
( حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها )
أي حتى إذا كانت الأرض بها في خضرتها السندسية وألوان أزهارها المختلفة ( كعروس حلّيت بالذهب والجواهر والحلل المختلفة الألوان ذات البهاء والبهجة ، وازينت بها في ليلة زفافها ) وظن أهلها أنهم قادرون على التمتع بثمراتها متمكنون من ادّخار غلاتها .
( أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ )
أي نزل بها في تلك الحال أمرنا المقدر لهلاكها فجاءتها جائحة وضرب زرعها بعاهة كجراد أو صقيع شديد أو ريح سموم ليلا وهم نائمون ، أو نهارا وهم غافلون فجعلناها كالأرض المحصودة التي قطعت واستؤصل زرعها ولم يبق منه شئ ، أو كأنها لم تنبت ولم تكن زروعها نضرة بالأمس .
وجاء هذا المعنى في قوله :
« أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ . أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ »
.
( كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )
أي كهذا المثل الواضح الذي يمثل حال الدنيا وغرور الناس مع سرعة زوالها وتعلق الآمال بها - نفصل الآيات الدالة على حقيقة التوحيد وأصول التشريع والآداب والمواعظ وتهذيب الأخلاق . وكل ما فيه صلاح للناس في معاشهم ومعادهم لمن يستعمل عقله ويزن أعماله بموازين الحكمة .
وقد غفل الناس عن الهداية بهذه الآيات وأمثالها . واهتدى بها الشعب العربي فخرج من خرافة شركه إلى نور التوحيد والعلم والحضارة . ثم اهتدى بدعوته الملايين من الشعوب الأخرى فشار كوه في السعادة والنعيم ، ولم يكن للمسلمين الآن حظ منها إلا التمتع بحسن ترتيلها في بعض المواسم والمآتم ولم يخطر لهم ببال أن يتدبروا معانيها وأن يهتدوا بهديها - وهم لو فعلوا ذلك لعلموا أن كل ما يشكو منه الناس من العداوات