تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
وفي قوله : بغير الحق - تأكيد للواقع وتذكير بقبحه وسوء حال أهله ، أو لبيان أنه بغير حق عندهم أيضا بأن يكون ظلما ظاهرا لا يخفى على أحد قبحه كما جاء في قوله :
« وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ »
. وبعد أن حكى المثل خاطب البغاة في أي مكان كانوا وفي أي زمان وجدوا منبها واعظا فقال :
( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا )
أي يا أيها الغافلون عن أنفسكم ، أما كفاكم بغيا على المستضعفين منكم اغترارا بقوتكم وكبريائكم ، إنما بغيكم في الحقيقة على أنفسكم ، لأن عاقبة وباله عائدة إليكم ، وإنما تتمتعون ببغيكم متاع الحياة الدنيا الزائلة وهي تنقضى سراعا ، والعقاب باق ، وأقله توبيخ الضمير والوجدان .
( ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ )
أي ثم إنكم ترجعون إلينا بعد هذا التمتع القليل فننبئكم بما كنتم تعملون من البغي والظلم والتمتع بالباطل ونجازيكم به . وفي الآية إيماء إلى أن البغي مجزىّ عليه في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فلقوله : إنما بغيكم على أنفسكم ، ولما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والبخاري « ما من ذنب أجدر أن يعجل اللّه لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدّخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم » ، والذي رواه أنس رضى اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « ثلاث هن رواجع على أهلها : المكر والنّكث والبغي ، ثم تلا :
( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ )
-
( وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ )
- و
( فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ )
. وأما في الآخرة فكفى دلالة على ذلك ما أفادته الآية من التهديد والوعيد . والخلاصة - إن البغي وهو أشنع أنواع الظلم يرجع على صاحبه - لما يولّد من العداوة والبغضاء بين الأفراد ولما يوقد من نيران الفتن والثورات في الشعوب ، انظر إلى من يبغى على مثله تجده قد خلق له عدوا أو أعداء ممن يبغى عليهم . ولا شك أن وجود الأعداء ضرب من العقوبة ، فهم يقتصون لأنفسهم منه بكل
تفسير المراغي — صفحة 91 | أحمد مصطفى المراغي