تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦

المعنى الجملي

بعد أن أبان سبحانه في الآيات السالفة أنهم كانوا يتعجلون العذاب ، وذكر أنه لا صلاح لهم في إجابة دعائهم ، ثم ذكر أنهم كاذبون في هذا الطلب إذ لو نزل بهم الضر جأروا وتضرعوا إلى اللّه في كشفه وإزالته . بين هنا ما يجرى مجرى التهديد ، وهو أنه تعالى قد ينزل بهم عذاب الاستئصال كما حدث للأمم قبلهم حتى يكون ذلك رادعا لهم وزاجرا عن هذا الطلب .

الإيضاح

( وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا )
الخطاب إلى قوم النبي صلى اللّه عليه وسلم وأهل وطنه مكة ، أي ولقد أهلكنا كثيرا من الأمم قبلكم بسبب ظلمهم . والآية بمعنى قوله
« وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً »
وهلاك اللّه للأمم بالظلم ضربان : ( 1 ) ضرب بعذاب الاستئصال للأقوام الذين بعث اللّه تعالى فيهم رسلا لهدايتهم بالإيمان والعمل الصالح كقوم نوح وعاد وثمود ، فعاندوا الرسل فأنذروهم عاقبة الجحود والعناد بعد مجيئهم بالآيات الدالة على صدقهم . ( 2 ) ضرب بعذاب هو مقتضى سنته تعالى في نظم الاجتماع البشرى ، فالظلم مثلا سبب لفساد العمران وضعف الأمم ، ولاستيلاء القوية على الضعيفة كما قال
« وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ »
- وهو إما ظلم الأفراد لأنفسهم بالفسوق والإسراف في الشهوات المضعفة للأبدان المفسدة للأخلاق ، وإما ظلم الحكام الذي يفسد بأس الأمة ويهن من قوتها .
( وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ )
أي أهلكناهم لما ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم رسلهم بالبينات الدالة على صدقهم .