فعل هذا أو ذاك كانت دعواه أنه كلام اللّه أوحاه إليه دعوى لا يعوّل عليها ، وكان قصارى أمره أنه امتاز عنهم بنوع من البيان خفيت عليهم أسباب معرفته ، ولم يكن بوحي من اللّه كما يزعمه .
( قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي )
أي قل لهم أيها الرسول إنه ليس من شأني ولا مما تجيزه لي رسالتي أن أبدله من تلقاء نفسي ومحض رأيي وخالص اجتهادي .
ثم أكد ما قبله فقال :
( إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ )
أي ما أتبع فيه إلا تبليغ ما يوحى إلىّ والاهتداء بهديه ، فإن بدّل اللّه منه شيئا بنسخه بلغت عنه ما أراد ، وما علىّ إلا البلاغ .
ثم علل ما سبق بقوله :
( إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ )
أي إني أخاف إن فعلت أىّ عصيان ، عذاب يوم عظيم الشأن ، ألا وهو يوم القيامة ، فكيف بي إذا عصيته بتبديل كلامه اتباعا لأهوائكم .
ثم لقّنه اللّه الجواب عن الشق الأول وهو التغيير لأهميته بقوله :
( قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ )
يقال دريته ودريته به ، أي علمته ، أي قل لهم لو شاء اللّه ألا أتلو عليكم هذا القرآن ما تلوته عليكم ، فإنما أتلوه بأمره وتنفيذ مشيئته ولو شاء اللّه ألا يعلمكم به بإرسالى إليكم لما أرسلني ولما أدراكم به ، ولكنه شاء أن يمنّ عليكم بهذا العلم النافع لتهتدوا به وتكونوا بهدايته خلائف في الأرض ، وهذا لن يكون بكتاب آخر كما قال
« وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ »
فهو قد أنزله عالما بأن فيه كل ما يحتاج إليه البشر من الهداية وأسباب السعادة .
( فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ )
أي فقد مكثت بين ظهرانيكم عمرا طويلا من قبله وهو أربعون سنة لم أتل عليكم سورة من مثله ولا آية تشبه آياته ، لا في العلم والهداية ، ولا في البيان والبراعة .