تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
وهذه الشبهة التي تمسكوا بأذيالها قد سبق إليها أقوام الأنبياء قبلهم كما جاء في قصة نوح وهود من سورة الأعراف
« أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ ؟ » *
. وقد يكون وجه العجب كونه من أفنائهم من جهة المال كما جاء على لسانهم وحكاه اللّه عنهم
« لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ »
وحكى عنهم أنهم قالوا : العجب أن اللّه تعالى لم يجد رسولا إلا يتيم أبى طالب . فإن كانوا قد عنوا الأول ، فهو عجب عاجب ، لأن بعث الملك إنما يتسنى إذا كان المبعوث إليهم ملائكة كما قال تعالى منكرا عليهم ذلك
« قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا »
. وإن كانوا أرادوا الثاني فهو أغرب منه ، لأن مدار الاصطفاء للإيحاء هو التبريز في إحراز الفضائل ونيل المكرمات ، وللنبي صلى اللّه عليه وسلم في ذلك القدح المعلّى فقد شهر من بينهم بالأمانة والصدق وحسن السمعة وبلوغ الغاية في الكمالات ، وللّه در القائل :
خلقت مبرّأ من كل عيب * كأنك قد خلقت كما تشاء
وكما قال الآخر :
ولو صوّرت نفسك لم تزدها * على ما فيك من كرم الطباع
وليس للتقدم في حظوظ الدنيا ولا للسبق في رئاساتها مدخل في ذلك لا بقبيل ولا دبير ، ولا قليل ولا كثير ، فليس الغنى سببا للقرب والزلفى عند اللّه كما قال تعالى :
« وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى »
.
( أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ )
أي أوحينا إليه بأن أنذر الناس كافة وأعلمهم بالتوحيد والبعث وسائر مقاصد الدين مع التخويف بعاقبة ما هم فيه من كفر وضلال .
تفسير المراغي — صفحة 60 | أحمد مصطفى المراغي