تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
أىّ عمل ، خيرا كان أو شرا ، شكرا كان أو كفرا ، وإن كان كمثقال الذرة ، إلا كنا رقباء عليكم إذ تخوضون فيه ، فنحفظه عليكم ونجازيكم به .
( وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ )
أي وما يبعد عن علمه ولا يخفى عليه أقل شئ يبلغ وزنه ثقل ذرة في الوجود السفلى والعلوي . وفي التعبير بالإفاضة دليل على أن ما يفيض الإنسان مهتمّا به مندفعا فيه - جدير بألا يغفل عن مراقبة ربه فيه واطلاعه عليه ، وكذلك في التعبير بيعزب الدالّ على الخفاء والبعد دليل على أن ما شأنه أن يغيب ويبعد عنا من أعمالنا لا يغيب عن علمه تعالى ، وقدم ذكر الأرض لأن الكلام مع أهلها . ثم أكد سبحانه ما سبق وبيّن إحاطة علمه بكل شئ فقال :
( وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ )
أي ولا شئ أصغر من الذرة مما لا تبصرونه من دقائق الكون وخفاياه ، ولا أكبر من ذلك وإن عظم مقداره كعرشه تعالى ، إلا وهو معلوم له ومحصى عنده في كتاب عظيم الشأن وهو الكتاب الذي كتب فيه مقادير الموجودات كلها إكمالا للنظام وبيانا لضبط جميع الأعمال . وفي معنى الآية قوله :
« فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ . وَما لا تُبْصِرُونَ »
. وفي ذلك إشارة إلى أن في الوجود أشياء لا تدركها الأبصار . وقد أثبت العلم الحديث بوساطة الآلات التي تكبّر الأشياء أضعافا مضاعفة ( المكروسكوبات ) أن هناك أشياء لا يمكن رؤيتها إلا إذا كبرت عن حقيقتها آلاف المرات كالجراثيم ( المكروبات ) ولم تكن تخطر على البال في عصر التنزيل ، وقد ظهرت للناس الآن فهي من روائع الإعجاز العظيمة الدالة على أنه من كلام العليم الخبير .