هذا
« قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً »
إن كنتم صادقين في زعمكم أنه مفترى .
وإذ قد عجزتم عن ذلك مع شدة تمرّسكم ، ولم يوجد في كلام أولئك الذين نصبت لهم المنابر في سوق عكاظ ، وبهم دارت رحى النظم والنثر ، وتقضّت أعمارهم في الإنشاء والإنشاد مثله - فهو ليس من كلام البشر ، بل هو من كلام خالق القوى والقدر .
ومن البين أنه ما كان لعاقل مثله - صلى اللّه عليه وسلم أن يتحداهم هذا التحدي لو لم يكن موقنا أن الإنس والجن لا يستطيعون أن يأتوا بمثل هذا القرآن في جملته ولا بسورة مثله ، إذ لو كان هو الذي أنشأه وألّفه لمصلحة الناس برأيه لكان عقله وذكاؤه يمنعانه من الجزم بعجز عقلاء الخلق من العوالم الظاهرة والباطنة عن الإتيان بسورة مثل ما أتى هو به .
إذ العاقل الفطن يعلم أن ما يمكنه من الأمر قد يمكن غيره ، بل ربما وجد من هو أقدر منه عليه .
والخلاصة - إن محمد صلى اللّه عليه وسلم كان على يقين بأنه من عند ربه ، وأنه صلى اللّه عليه وسلم كغيره لا يقدر على الإتيان بمثله .
ثم انتقل من إظهار بطلان ما قالوه في القرآن بتحدّيه لهم - إلى إظهار بطلانه ببيان أن كلامهم ناشئ من عدم علمهم بحقيقة أمره واختبار حاله فقال :
( بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ )
أي بل هم سارعوا إلى تكذيبه من غير أن يتدبروا ما فيه ويقفوا على ما احتوى عليه من الأدلة والبراهين الدالة على أنه كما وصف آنفا ، ومن قبل أن يعلموا أنه ليس مما يمكن أن يؤتى بمثله .
( وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ )
أي ولم يأتهم إلى الآن ما يؤول إليه ويكون مصداقا له بالفعل ويقع ما أخبر به من الأمور المستقبلة .