تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
روى مسلم وأبو داود عن النعمان بن بشير قال : « كنت عند منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم : ما أبالي ألا أعمل للّه عملا بعد الإسلام إلا أن أسقى الحاج ، وقال آخر بل عمارة المسجد الحرام ، وقال آخر بل الجهاد في سبيل اللّه خير مما قلتم ، فزجرهم عمر وقال : لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - وذلك يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأستفتيه فيما اختلفتم فيه ، فدخل بعد الصلاة فاستفتاه فأنزل اللّه
( أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ
- إلى قوله -
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )
» .

الإيضاح

( أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ )
الخطاب في الآية للمؤمنين الذين تنازعوا - أىّ الأعمال أفضل - والمراد - إنه لا ينبغي أن تجعلوا أهل السقاية والعمارة في الفضيلة كمن آمن باللّه واليوم الآخر وجاهد في سبيل اللّه ، فإن السقاية والعمارة وإن كانتا من أعمال البر والخير فأصحابهما لا يدانون أهل الإيمان والجهاد في علو المرتبة وشرف المقدار ، وقد صرح بهذا في قوله :
( لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ )
أي لا يساوى الفريق الأول الفريق الثاني لا في صفته ولا في عمله في حكم اللّه ولا في مثوبته وجزائه عليه لا في الدنيا ولا في الآخرة ، فضلا عن أن يفضله كما يزعم كبراء مشركي قريش الذين كانوا يتبجحون بخدمة البيت ويستكبرون على الناس بها .
( وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )
أي لا يهديهم إلى الحق في أعمالهم ولا إلى الحكم العدل في أعمال غيرهم ، إذ ليس من سننه تعالى في أخلاق البشر وأعمالهم أن يهدى الظالم إلى شئ من ذلك ، ومن أقبح الظلم تفضيل خدمة حجارة البيت وحفظ مفتاحه وسقاية الحاج على الإيمان باللّه وحده ، إذ به تطهر الأنفس من أدناس الشرك وخرافاته ، وعلى الإيمان باليوم الآخر الذي يزع النفس عن البغي والظلم ويحبب