تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
منع عبادة الشرك من المسجد الحرام وإبطال ما كان المشركون يدّعونه ويفخرون به من حق عمارته ، مع تيئيسهم من الاشتراك فيها ، وهذا هو ما تضمنته الآيتان الكريمتان المذكورتان هنا . روى عن ابن عباس أنه قال : لما أسر العباس يوم بدر عيّره المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم وأغلظ له على في القول ، فقال العباس : ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا ! فقال على كرم اللّه وجهه : ألكم محاسن ؟ فقال نعم : إننا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقى الحاج فأنزل اللّه :
( ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ )
الآية .

الإيضاح

( ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ )
أي ما كان من شأن المشركين ولا مما ينبغي لهم أن يعمروا مساجد اللّه التي منها المسجد الأعظم وهو بيته الحرام بالإقامة فيه للعبادة أو الخدمة والولاية عليه ، ولا أن يزوروه حجاجا أو معتمرين ، وقد شهدوا على أنفسهم بالكفر قولا وعملا بعبادتهم للأصنام والاستشفاع بها والسجود لما وضعوه منها في البيت عقب كل شوط من طوافهم ، وقولهم حينئذ : لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك . إذ في عملهم هذا جمع بين الضدين ، فإن عمارة البيت الحسية إنما تكون لعمارته المعنوية بعبادته تعالى وحده ، وذلك لا يقع إلا من المؤمن الموحّد لكنهم يشركون به غيره ويساوونه ببعض خلقه في العبادة . وخلاصة ذلك - إنهم يجمعون بين أمرين لا يعقل الجمع بينهما على وجه صحيح ، عمارة البيت الحرام بزيارته للحج أو العمرة ، والكفر بربه بمساواته ببعض خلقه من الأصنام والأوثان .