تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
اقتلهم ، فقال قائل : أرادوا قتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهدم الإسلام ويأمره أبو بكر بالفداء ، وقال قائل : لو كان فيهم أبو عمر أو أخوه ما أمر بقتلهم . فأخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقول أبى بكر ففاداهم فنزل
( لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ )
فقال رسول اللّه : إن كاد ليمسّنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم ، ولو نزل العذاب ما أفلت إلا عمر » . وبعد أن عاتبهم على أخذ الفداء أباح لهم أكل ما أخذوه ، وعدّه من جملة الغنائم التي أباحها لهم في أول السورة فقال :
( فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً )
أي فكلوا مما غنمتم من الفدية حال كونه حلالا بإحلاله لكم ، طيبا في نفسه لا خبث فيه مما حرم لذاته كالدم ولحم الخنزير .
( وَاتَّقُوا اللَّهَ )
في أن تعودوا إلى أكل شئ من أموال الناس كفارا كانوا أو مؤمنين من قبل أن يحلّه لكم ربكم .
( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
أي إنه غفور لذنبكم بأخذ الفداء وإيثار جمهوركم لعرض الدنيا على ما يقتضيه إيثار الآخرة من طلب الإثخان أولا لإعزاز الحق وأهله بإذلال الشرك وكبت حزبه ، رحيم بكم إذ أباح لكم ما أخذتم ، وأباح لكم الانتفاع به . وخلاصة ما تقدم - إنه ليس من سنة الأنبياء ، ولا مما ينبغي لأحد منهم أن يكون له أسرى يفاديهم أو يمنّ عليهم إلا بعد أن يكون له الغلب والسلطان على أعدائه وأعداء اللّه الكافرين ، لئلا يفضى أخذه فداء الأسرى إلى ضعف المؤمنين وقوة أعدائهم وجرأتهم عليهم ، وما فعله المؤمنون من مفاداة أسرى بدر بالمال كان ذنبا سببه إرادة جمهورهم عرض الحياة الدنيا قبل الإثخان الذي تقتضيه الحكمة بإعلاء كلمة اللّه تعالى ، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ، ولولا كتاب من اللّه سبق من عدم عقابهم على ذنب أخذ الفداء قبل إذنه تعالى وعلى خلاف سنته - لمسهم عذاب عظيم في أخذهم ذلك ، وإنه أحل لهم ما أخذوا وغفر لهم ذنبهم بأخذه قبل إحلاله لهم ، اللّه غفور رحيم .