تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ )
بنصرهم ومعونتهم وتوفيقهم لما فيه خيرهم وصلاحهم ، فمن يتق الظلم والعدوان في الأرض وأسباب الفشل والخذلان في القتال من تفرق الكلمة واختلاف الأهواء ومخالفة سنن اللّه في الاجتماع - يكن اللّه معه ، ومن كان اللّه معه فلا يغلبه أحد .
( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ )
المراد بالنسيء تأخير حرمة شهر إلى آخر . بيان هذا أن العرب ورثت من ملة إبراهيم وإسماعيل تحريم القتال في الأشهر الحرم لتأمين الحج وطرقه ، ولما طال عليهم الأمد غيروا وبدلوا في المناسك وفي تحريم الأشهر ولا سيما المحرم ، إذ كان يشق عليهم ترك القتال وشن الغارة ثلاثة أشهر متواليات ، فأحلوا شهر المحرم وأنسئوا تحريمه إلى صفر لتبقى الأشهر الحرم أربعة كما كانت ، وفي ذلك مخالفة للنص ولحكمة التحريم . وقد كان من عادتهم في ذلك أن يقوم رجل من كنانة في أيام منى حيث يجتمع الحجيج فيقول : أنا الذي لا يردّ لي قضاء ، فيقولون صدقت ، فأخّر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر ، فيحل لهم المحرم ، وبذلك يجعل الشهر الحرام حلالا ، ثم صاروا ينسئون غير المحرم ويسمون النسيء باسم الأصل ، فتتغير أسماء الشهور كلها . وبذلك يعلم أن النسيء تشريع ديني ملتزم غيّروا به ملة إبراهيم اتباعا للهوى وسوء التأويل ، ومن ثم سماه اللّه زيادة في الكفر ، أي إنه كفر بشرع دين لم يأذن به اللّه زائد على شركهم باللّه وكفرهم به ، إذ حق التشريع له وحده ، فمنازعته في ذلك شرك في ربوبيته ، وهم يضلون به سائر الكفار الذين يتبعونهم فيه ويظنون أنهم لم يخرجوا به عن ملة إبراهيم ، إذ واطئوا عدة ما حرم اللّه من الشهور في ملته ولم يزيدوا ولم ينقصوا وإن قدموا وأخروا مع أن المقصد في ذلك العدد والتخصيص لا مجرد العدد ، وإذ لم يفعلوا ذلك فقد استحلوا ما حرم اللّه .
تفسير المراغي — صفحة 116 | أحمد مصطفى المراغي