تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
والمراد بقوله : يوم خلق السماوات والأرض ، الوقت الذي خلقهما فيه باعتبار تمامه ونهايته في جملته وهو ستة أيام من أيام التكوين باعتبار تفصيله وخلق كل منهما وما فيهما . وقوله : في كتاب اللّه ، أي في نظام الخلق والتقدير والسنن الإلهية فيه ، أو في حكمه التشريعي كحرمة الأشهر الحرم ، وكون الحج أشهرا معلومات ، وكون ما يتعلق بالشهور من الفرائض والسنن : كالحج والصيام وعدة المطلقات والرضاع ، فالمعتبر فيه الأشهر القمرية ، ومن حكمة ذلك أنه يجعل الصيام والحج يدور في جميع أجزاء السنة ، ومنها ما يشقّ فيه أداؤهما ، ومنها ما يسهل فيه ذلك .
( مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ )
أي منها أربعة فرض اللّه احترامها وحرّم فيها القتال على لسان إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ونقلت العرب ذلك عنهما بالتواتر القولي والعملي وإن كانت قد أخلت بذلك أحيانا اتباعا لأهوائها ، وهذه الأشهر منها ثلاثة متواليات ، وهي ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم ، وواحد فرد وهو رجب . روى أحمد عن أبي بكرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم خطب في حجة الوداع بمنى في أوسط أيام التشريق قال : « ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض ، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ، ثم قال : ألا أىّ يوم هذا ؟ قلنا اللّه ورسوله أعلم ، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، قال أليس يوم النحر ، قلنا بلى . ثم قال : أىّ شهر هذا ؟ قلنا اللّه ورسوله أعلم ، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، ثم قال : أليس ذا الحجة ؟ قلنا بلى ، ثم قال : أىّ بلد هذا ، قلنا اللّه ورسوله أعلم ، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه ، قال : أليست البلدة ؟ قلنا بلى ؛ قال فإن دماءكم وأموالكم - وأحسبه قال - وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ؛ ألا لا ترجعوا بعدي ضلّالا يضرب بعضكم رقاب بعض ؛ ألا هل بلّغت ؟ ألا فليبلّغ الشاهد منكم الغائب ، فلعل من يبلّغه يكون أوعى له من بعض من سمعه » .