الإيضاح
( وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ )
أي وربك هو الغنى الكامل الغنى ، وهو ذو الرحمة الشاملة التي وسعت كل شئ ، إذ كل ما عداه فهو محتاج إليه في وجوده وبقائه ، ومحتاج إلى الأسباب التي جعلها سبحانه قوام وجوده .
ويقال في الخلق : هذا غنى إذا كان واجدا لأهم هذه الأسباب التي هي من فيض مولاه وهو مع ذلك محتاج إلى غيره ، انظر إلى الغنىّ ذي المال الكثير تره محتاجا إلى كثير من الناس من الزوج والخادم والعامل والطبيب والحاكم ، ومحتاجا إلى خالقه وخالق كل شئ كما قال تعالى :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ »
.
( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ )
أي إن يشأ إذهابكم أيها الكافرون المعاندون واستخلاف غيركم بعدكم يذهبكم بعذاب يهلككم به كما أهلك أمثالكم ممن عاندوا الرسل كعاد وثمود ، ويستخلف من بعدكم ما يشاء من الأقوام فإنه غنى عنكم وقادر على إهلاككم وإنشاء قوم آخرين من ذريتكم أو ذرية غيركم يكونون أحق برحمته منكم ، كما قدر على إنشائكم من ذرية قوم آخرين .
وقد صدق اللّه وعده فأهلك أولئك الذين عادوا خاتم رسله كبرا وعنادا وجحدوا بما جاء به وهم يعلمون صدقه ، واستخلف في الأرض غيرهم ممن كان كفرهم عن جهل أو تقليد لمن قبلهم ولم يلبث أن زال بالتأمل في آيات اللّه في الآفاق وفي أنفسهم ، فكانوا أكمل الناس إيمانا وإسلاما وإحسانا وهم المهاجرون والأنصار وذرياتهم وكانوا أعظم مظهر لرحمة اللّه للبشر حتى في حروبهم وفتوحهم ، وشهد لهم بذلك أعداؤهم حتى قال مؤرخو الإفرنج : ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب .
وبعد أن أنذرهم عذاب الدنيا وهلاكهم فيها أنذرهم عذاب الآخرة فقال :