تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
والخلاصة - إن اللّه لا يظلم أحدا من خلقه ، بل هم الذين يظلمون أنفسهم ، وإن الإهانة والتعذيب تربية لهم وتأديب وزجر لغيرهم ، وإن هذا العقاب للأمم منه ما هو في الدنيا ومنه ما هو في الآخرة ، ومن الأول عذاب الاستئصال لمن عاندوا الرسل بعد أن جاءوهم بما اقترحوا عليهم من الآيات الكونية ، وبعد أن أنذروهم بالهلاك إذا لم يؤمنوا بها كما حصل لعاد وثمود ، وقد انقطع ذلك بانقطاع الرسل . وهلاك الأمم يكون بما يغلب عليها من الظلم أو الفسق والفجور الذي يفسد الأخلاق ويقطع روابط المجتمع ويجعل بأس الأمة بينها شديدا . وهذه الآية وما شاكلها من قواعد الاجتماع التي سبق أن شرح جانبا منها بعض علماء الاجتماع من المسلمين كابن خلدون ، لكن لم يستفد من ذلك من جاء بعده من علمائهم ، واستفاد منها غيرهم ، كما لم يستفيدوا من هدى القرآن ومثله العليا في إقامة ملكهم وحضارتهم بحسب ما أرشدهم إليه من سنن الاجتماع فيمن قبلهم ، وإنهم لا يزالون غافلين عن هذا الرشاد مع حاجة العصر إلى بذل أقصى ما يكون من الجهد في هذا المضمار ، لأن الأمم قد افتنّت في الوصول إلى أغراضها بكل الوسائل التي يمكن أن يكفر فيها البشر ، كما هي سنة تنازع البقاء . ولا نرى من المسلمين إلا معاذير لو تركوها لكان أحرى بهم وبما ينسبونه إلى دينهم كذبا وافتراء ، إذ يعتذرون تارة عن ضعف أممهم وتقصيرها بأن كل شئ بقضاء وقدر ، ولو سلّم لهم هذا لكان الناس مجبورين في أعمالهم لا مختارين ، وقواعد الدين تأبى هذا ، والتكاليف الشرعية مؤسسة على غير ما يقولون . وأين كان هذا أيام أن كان المسلمون في أوج عزهم يكافحون وينافحون ويتغلبون على من سواهم من الأمم ويفتحون الممالك والأمصار ، وتخفق عليها بنودهم وأعلامهم ، وتارة يسلون أنفسهم بأن هذا من علامات الساعة ، وأنى لهم بها ؟ وهل هم أوتوا من