تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
العلم ما يرشدهم إلى ما يدّعون ، بل لقد بلغ الأمر بهم أن وسوس لهم الشيطان وهم يناجون أنفسهم ، أو إذا خلوا إلى شياطينهم أن قالوا إن تعاليم الإسلام أضعفنهم وأضاعت عليهم ملكهم :
« كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً »
أفليست تعاليمهم هذه هي التي شيّدت صروح المجد في سالف العصور ، وأقامت ملكا ضم أطراف المغرب والمشرق ؟ أليس أسلافهم بهذه التعاليم ثلّوا عروش الأكاسرة والقياصرة ، ودوّخوا الممالك ، وأسسوا حضارات ووضعوا قوانين لا تزال أرقى الأمم مدنية تمنح من معينها ، وتطفئ ظمأها من نميرها العذب ؟ وقد التمس بعضهم هداية غير هداية القرآن ليؤسس عليها سعادة دنياه فكان كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ، فلم يتم له ما أراد وخسر دنياه وأخراه ، وذلك هو الضلال البعيد .
( وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا )
أي ولكل عامل في طاعة اللّه أو معصيته منازل ومراتب من عمله يبلغه اللّه إياها ويثيبه بها ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر .
( وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ )
أي فكل عملهم يعلمه ربهم وهو محصيه عليهم ، ومجازيهم بالسيئة سيئة مثلها ويضاعف الحسنات من فضله عند لقائهم إياه ومعادهم إليه . وفي الآية إيماء إلى أن سناط السعادة والشقاء هو عمل الإنسان ومشيئته ، فإن شاء عمل عمل النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فكان من الذين سمعوا القول واتبعوا أحسنه ، فجازاه اللّه أحسن الجزاء ، وإن شاء تنكب عن جادّة الدين ورمى أحكامه وراءه ظهريا وسار في غلواء الضلال ، فكان من الأشقياء الذين كبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون .
تفسير المراغي — صفحة 36 | أحمد مصطفى المراغي