تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ ؟ )
قد جرت سنة اللّه أن يكون الفقراء المستضعفون أسرع الناس إلى إجابة دعوة الأنبياء والرسل ، وإلى كل دعوة لإصلاح ، فإنه لا يثقل عليهم أن يكونوا تابعين لغيرهم ، وأن يكفر بها أكابر القوم وأغنياؤهم المترفون ، إذ يشق عليهم أن يكونوا مرءوسين لسواهم ، كما يصعب عليهم الامتناع عن الإسراف في الشهوات ، والوقوف عند حدود الاعتدال . وعلى هذا السنن سار الملأ من قوم صالح إذ قالوا للمؤمنين منهم : أتعلمون أن صالحا رسول من عند اللّه ؟ ومرادهم بهذا التهكم والاستهزاء بهم .
( قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ )
أي إنا بما أرسل به صالح من الحق والهدى مصدّقون ومقرون بأنه من عند اللّه ، وأن اللّه أمر به ، وعن أمر اللّه دعانا صالح . وفي جوابهم هذا دون أن يقولوا - نعم ، أو نعلم أنه مرسل منه ، أو إنا برسالته عالمون - إيماء إلى أنهم علموا بذلك علما يقينيا إذ عانيا له السلطان على عقولهم وقلوبهم وما كل من يعلم شيئا يصل علمه إلى هذه المرتبة ، بل من الناس من يعلم الشيء بالبرهان لكنه يجحده ويحاربه وهو موقن به حسدا لأهله ، أو استكبارا عنه كما قال تعالى :
« وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا »
.
( قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ )
أي قال الذين استكبروا عن أمر اللّه وأمر رسوله صالح : إنا بالذي صدقتم به من نبوة صالح وإن الذي جاء به هو الحق - جاحدون منكرون لا نصدق به ولا نقر . وإنما لم يقولوا إنا بالذي أرسل به صالح كافرون - لأن ذلك يتضمن إثبات الرسالة فلو قالوه لكان شهادة منهم على أنفسهم بجحود الحق على علمهم به استكبارا وعنادا . ثم ذكر ما فعلوه مما يدل على كفرهم بآيات ربهم فقال :
( فَعَقَرُوا النَّاقَةَ )
أي فعقر أولئك المستكبرون الناقة ، ونسب الفعل إليهم جميعا والفاعل واحد منهم كما جاء في سورة القمر :
« فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ »