تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
ثم يذكرون الشراب ويستغيثون فيدفع إليهم الحميم والصديد بكلاليب الحديد فيقطع ما في بطونهم ويستغيثون إلى أهل الجنة ، فيقول أهل الجنة : إن اللّه حرمهما على الكافرين » . وهذا طلب منهم مع علمهم باليأس من إجابته ، إذ هم يعرفون دوام عقابهم وأنه لا يفتر عنهم أبدا ، ولكن اليأس من الشيء قد يطلبه كما قالوا في أمثالهم ( الغريق يتعلق بالزبد ) .
( قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ . الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا )
التحريم المنع وهو إما تحريم تكليف كتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وإما تحريم قهر كتحريم الجنة وما فيها على الكافرين في مثل هذه الآية . والمعنى - إن أهل الجنة قالوا جوابا عن هذا الاستجداء : إن اللّه قد حرم ماء الجنة ورزقها على الكافرين ، كما حرم عليهم دخولها ، فلا سبيل لإفاضة شئ منهما عليهم وهم في النار ، إذ ليس لهم إلا ماؤها الحميم وطعامها من الضريع والزقوم . وقد وصف أهل الجنة الكافرين بأنهم هم الذين كانوا السبب في هذا المنع والحرمان ، إذ جعلوا ديدنهم أعمالا لا تزكّى الأنفس ولا تجعلها أهلا للتشريف والكرامة ، بل هي إما لهو يشغل الإنسان عن الجدّ والأعمال المفيدة ، وإما لعب لا يقصد منه فائدة صحيحة فهو كأعمال الأطفال ، وقد غرتهم الحياة الدنيا بشهواتها ولذاتها من الحرام والحلال ، أما أهل الجنة فقد سعوا لها سعيها ، وعلموا أن الدنيا مزرعة الآخرة ، ومن ثم لم يكن من قصدهم من التمتع بنعم اللّه إلا الاستعانة بها على ما يرضيه من إقامة الحق والعدل ، والاستعداد لحياة أبدية لا نهاية لها . والخلاصة - إن الدنيا شغلتهم بزخارفها العاجلة وشهواتها الباطلة ، فعزّتهم وضرتهم ، وهي من شأنها أن تغرّ وتضر وتمرّ . ثم ذكر عاقبة أمرهم فقال :
( فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا )
أي فاليوم نعاملهم معاملة الشيء المنسى
تفسير المراغي — صفحة 164 | أحمد مصطفى المراغي