تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
وفي هذا إيماء إلى أن أصول الإيمان لا تقبل إلا بوحي من اللّه يؤيده البرهان كما قال
« وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ »
. كما أن فيه إرشادا إلى عظم شأن الدليل والبرهان في الدين ، حتى كأنّ من جاء بالبرهان على الشرك يصدق ، وهذا من فرض المحال مبالغة في فضل الاستدلال كما قال
« أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ ؟ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ »
. ( 6 ) القول على اللّه بغير علم ، وهو من أسس المحرمات التي حرمت على ألسنة الرسل جميعا ، إذ هو منشأ تحريف الأديان المحرفة ، وسبب الابتداع في الدين الحق ، وقد انتشر الابتداع بين أهله وتحكمت بينهم الأهواء واتبعوا سنن من قبلهم كما جاء في الحديث : « لتتّبعنّ سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضبّ لتبعتموهم ؛ قلنا يا رسول اللّه : اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟ » رواه الشيخان ورأس البلية في هذا الابتداع القول في الدين بالرأي ، فما من أحد يبتدع أو يتبع مبتدعا إلا استدل على بدعته بالرأي ، وقد ظهرت مبادئ هذه البدع والأهواء في القرون الأولى قرون العلم بالسنة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وما زال أمرها يستفحل حتى وصلت إلى ما نراه الآن . وما شرع من اجتهاد الرأي في حديث معاذ وغيره فهو خاص بالقضاء لا بأصول الدين وعباداته ، فقد أكمل اللّه دينه فلم يترك فيه نقصا يكمله غيره بظنه ورأيه بعد وفاة رسوله ، وليس لقاض ولا مفت أن يسند رأيه الاجتهادى إلى اللّه فيقول هذا حكم اللّه وهذا دينه ، بل يقول هذا مبلغ اجتهادي ، فإن كان صوابا فمن توفيق اللّه وإلهامه ، وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان . والخلاصة - إنه لا ينبغي لأحد أن يحرّم شيئا تحريما دينيا على عباد اللّه أو يوجب عليهم شيئا إلا بنص صريح عن اللّه ورسوله ، ومن تهجم على ذلك فقد جعل نفسه شريكا للّه ، ومن تبعه في ذلك فقد جعله ربا له ، ومن ثم كان فقهاء الصحابة والتابعين يتحامون القول في الدين بالرأي .
تفسير المراغي — صفحة 140 | أحمد مصطفى المراغي