والخلاصة - إنه يقول : يا بني آدم ، بقدرتنا قد أنزلنا عليكم من سمائنا لتدبير أموركم لباسا يوارى سوءاتكم ، وريشا تتزينون به في المجالس والمجتمعات ، وهو أعلى اللباس وأكمله ، وما دون ذلك وهو ما يقى الحر والبرد .
ومعنى إنزال ما ذكر من السماء - إنزال مادته من القطن والصوف والوبر والحرير وريش الطير وغيرها مما ولدته الحاجة وافتنّ الناس في استعماله ، بعد أن تعلموا وسائل صنعه بما أوجد فيهم من الغرائز والصفات التي بها غزلوا ونسجوا وحاكوا ذلك على ضروب شتى وخاطوه على أشكال لا حصر لها ولا عد ، ولا سيما في هذا العهد الذي رقيت فيه الصناعات إلى أقصى مدى وأبعد غاية .
ولا شك أن امتنانه علينا بلباس الزينة دليل على إباحتها والرغبة في استعمالها ، فالإسلام دين الفطرة وليس فيه ما يخالف ما تدعو إليه الحاجة .
وحب الزينة من أقوى غرائز البشر الدافعة لهم إلى إظهار سنن اللّه في الخليقة .
( وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ )
المشهور من كلام التابعين أن لباس التقوى لباس معنوي لا حسى ، فقد قال ابن زيد : لباس هو التقوى وعن ابن عباس : إنه الإيمان والعمل الصالح ، فإنهما خير من الريش واللباس . وروى عن زيد بن علي بن الحسين : أنه لباس الحرب كالدّرع والمغفر والآلات التي يتّقي بها العدو ، واختاره أبو مسلم الأصفهاني ، ويدل عليه قوله تعالى :
« سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ . وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ »
.
( ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ )
أي ذلك الذي تقدم ذكره من النعم بإنزال الملابس من آيات قدرته ودلائل إحسانه وفضله على بني آدم .
وهذه النعم تؤهلهم لتذكّر ذلك الفضل والقيام بما يجب عليهم من الشكر ، والابتعاد من فتنة الشيطان وإبداء العورات أو الإسراف في استعمال الزينة إلى نحو ذلك .