تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
فترضى باستذلال الغاصب كما رضيت من قبل بما اجترحت من الآثام والذنوب ؛ وقد يكون ذلك سبيلا لانقراضها بما يعقبه الفسق والفجور من قلة النسل ، ولا سيما إذا فشا الزنا والسكر ، أو تبقى فيها بقية تدّغم في الكثرة الغالبة ، فلا تعد أمة على سبيل الاستقلال ، وربما توالت عليها المصائب والآثام حتى تضيق بها ذرعا فتطلب لها مخرجا وترجع إلى الوراء لتبحث عن أسبابها فلا تجدها إلا في أنفسها كما يرشد إلى ذلك قوله تعالى :
« وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ »
. وإذا أرادت لها علاجا وتمنت لها دواء من دائها الدوىّ وتلفتت يمنة ويسرة سرا وعلانية لم تجده إلا ما وصفه الكتاب الكريم :
« إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ »
ولن يكون ذلك إلا بالإقلاع عما ترتكب من الجرائم والتوبة الصادقة والعمل الطيب الذي به تصلح القلوب وتستقيم الأمور ، وهاكم ما قاله العباس عم النبي صلى اللّه عليه وسلم حين توسل به عمر والصحابة بتقديمه لصلاة الاستسقاء لما انقطع الغيث وعم الجدب : اللهم إنه لا ينزل بلاء إلا بذنب ، ولا يرفع إلا بتوبة . وفي هذا عبرة أيّما عبرة للشعوب الإسلامية التي ثلّت عروشها ، وخوت صروح عظمتها ، وقد كانت أجدر بهدى القرآن ، ولكن أنى لها بذلك ، وقد هجره الخاصة وتبعهم العامة ، إذ جهلوا أحكامه وحكمه ، حتى لقد بلغ الأمر بنابتتها ، ألا ترى سببا لركود ريحها إلا اتباع القرآن والعمل بهذا الدين
« كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً »
.

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 6 إلى 9 ]

فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ( 6 ) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ ( 7 ) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 8 ) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ( 9 )