( فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ )
أي فما كان دعاؤهم واستغاثتهم حين جاءهم العذاب إلا أن اعترفوا بظلمهم فيما كانوا عليه ، وشهدوا ببطلانه ، تحسرا وندامة وطمعا في الخلاص ولكن أنى ينفع الندم ، وقد أزفت الآزفة ، ليس لها من دون اللّه كاشفة ؟ .
وفي الآية من العبرة - أن كل مذنب يقع عليه عقاب ذنب فعله في الدنيا ، يعترف بجرمه ويندم على ما قرط منه إذا هو علم أنه سبب العقاب ، وقلما يشعر المرء بعقاب في الدنيا على الذنوب ، لأنه يأتي على التراخي غالبا فالأمراض التي تتولد من شرب الخمر كأمراض القلب والكبد والجهاز التناسلى وضعف النسل واستعداده للأمراض إلى نحو ذلك من الأمراض الجسدية والعقلية تحصل ببطء ، وقلما يعرفها غير الأطباء ؛ ومن ثم لا يشعر بها السكارى وإنما يشعرون بما يعقب الشرب من صداع وغثيان يسهل عليهم احتماله وترجيح لذة النشوة عليه .
إلى أنه لو علمها بعد فقلما يفيد علمه بها شيئا بعد بلوغ تأثيرها هذه الدرجة في السكر حتى تحمله على التوبة ، إذ داء الخمار يزمن ، وحب السكر يضعف الإرادة .
وعقاب الأفراد على الذنوب في الدنيا لا يطرد ، كما يطرد في الأمم ، فعقابها في الدنيا على ما تجترح - حتم لا شبهة فيه ، ولكن له آجال ومواقيت أطول مما يكون في الأفراد ، ويختلف باختلاف أحوال الأمة في القوة والضعف ، فأمة نشأ فيها الظلم والطغيان وعدمت الثقة بين أفرادها واختل نظام الأمن فيها وكثر فيها الفسق والفجور - تسوء حالها وتنحلّ قواها وتتفكك روابط الألفة والمودة بين أفرادها وتضعف منعتها ، فتحسب أهلها جميعا وقلوبهم شتى ، ولا يزال أمرها يأخذ في التدهور والفساد حتى يستولى عليها العدو القاهر ويمتص ثروتها ويجعل أهلها أذلة مستضعفين ، وقلما تشعر أمة بعاقبة ذنوبها قبل وقوع العقوبة ، كما لا يجديها نفعا أن يقول حكماؤها :
يا ويلنا إنا كنا ظالمين . وربما عمها الجهل ، وران على قلوبها الفساد ، فلا تشعر بأن ما حل بها إنما كان جزاء وفاقا ، ونكالا من اللّه على ما قدمت من عمل ، واقترفت من إثم ،